مقالات الرأى

لواء مروان مصطفى يكتب: الاصداء الخفية لزيارة ولي العهد السعودي لأمريكا

0:00

لقد كانت زيارة ولي العهد السعودي لأمريكا زيارة تاريخية فريدة ..لم يشهد العالم ولا البيت الأبيض فخامة استقبال مثلها من قبل ( وهوما لم نعاهده من ترامب من قبل ) سواء في الطابور الشرفي للخيالة والاستعراض الجوي للطائرات الشبحية .. وحتى خلال حفل العشاء الملكي الفاخر الذي اقيم علي شرفه .. وهو ما لم يحظ به اي ضيوف البيت الأبيض من الرؤساء او الزعماء حتى الاوربيين منهم .
وفي الحقيقة لقد حاز الامير علي كل الاعجاب والتقدير.. فقد قدم نفسه كرجل دوله من الطراز الأول بعدما طورمن شخصيته ، وثقلت خبراته وحنكته السياسية ، وزادت لباقته الدبلوماسية ، واتقانه الشديد باللغة .. وقد تجلي ذلك بوضوح خلال اللقاء الصحفي عندما حاولت إحدى الصحفيات احراجه .. فقد كانت بديهيته حاضرة ، ورده السريع الحاسم كان جاهزاً (كما لوكان تم اعداده من قبل ) .. وكانت لفتة ذكية منه في حفل العشاء عندما تحدث عن ارتدائه الزي السعودي ، وعدم ارتداؤه بذلة سوداء على غير ما توقعه الكثيرون .. وكان انضمام نجم الكرة العالمي رونالدو للوفد المرافق له أمر غريب ملفت وله مغزاه (فهو قوة ناعمة لا يستهان بها لأنه النجم المفضل لأبن الرئيس ترامب ) وقد حظي باستقبال شخصي خاص من ترامب له .
لقد نجح ولي العهد بامتياز في الاعداد والترتيب المسبق للزيارة .. وتمكن بمهارة من تهيئة الأجواء الاقليمية والعربية ، وتصفية أية خلافات مع الدول العربية الكبرى قبلها .. ولعلنا لاحظنا جميعاً قيام (تركي الشيخ ) قبلها بزيارة خاصة للشيخ محمد بن زايد بالإضافة لقيامه بتهدئة الأجواء علي السوشيال ميديا واعلانه عودة الفن والفنانين المصريين لموسم الرياض مرة اخري ..كما تناثرت معلومات حول قيام وفد مصري عالي المستوى لزيارة السعودية للتنسيق حول حرب السودان قبل سفره لأمريكا .
بكل تأكيد .. لقد استغل ولي العهد السعودي بنجاح كبير مواطن الضعف في شخصية الرئيس الامريكي ، بسبب تناقص شعبيته ، وزيادة الانتقادات الموجهة اليه بسبب حالة التضخم التي يعاني منها المواطن الامريكي وتدهور الاقتصاد الامريكية .. لقد تمكن ولي العهد بمهارة من استغلال تلك الظروف.. ليقدم له طوق النجاة الذي يتمثل في تقديم استثمارات هائلة والحصول في مقابلها علي اتفاقات هامة في مجالات التعاون النووي ، والذكاء الاصطناعي ، والشراكة الاستراتيجية ، وشراء ٤٨ طائرة اف ٣٥ ، وصفقة لحوالي ٣٠٠ دبابة امريكية ، واتفاقات اخري لم يتم الافصاح عنها .. كما يحسب له أيضاً نجاحه في اقناع الرئيس ترامب بضرورة التدخل لإيقاف الحرب في السودان .
وقد اشارت الواشنطن بوست الي مكاسب اخري عديدة وغير منظورة حققها ولي العهد :
• لقد نجح وبذكاء في الحصول علي كل ما يريده من الرئيس ترامب .. دون ان يقوم بالتوقيع على الاتفاق الابراهيمي ( وفقاً لما أعلنه وخطط له ترامب مسبقاً) وحتى لم يعلن أو يتعهد بالتزامه بتوقيعها .. وهو ما يعتبر رفضا صريحاً للاتفاقية ، واصراراً علي عدم توقيعها في وجود نتنياهو وحكومته المتطرفة .. وهو ما سيفتح الطريق لدول أخري لاتخاذ نفس المسار ، ويسبب حرجاً شديداً للدول التي سارعت بالتوقيع عليها .
• كان حصول السعودية علي الطائرات بنفس المواصفات المماثلة للطائرات التي تحصل عليها اسرائيل انقلابا حاداً علي اسرائيل ، واعلاناً رسمياً بتخلي ترامب عن المبدأ الأمريكي الثابت بضمان تفوق سلاحها الجوي ، وهي نقطة تحول تفتح المجال لباقي الدول العربية الراغبة في الحصول علي صفقات من الأسلحة الأميركية بدون موافقة اسرائيل .
• لقد ازال ترامب عقدة الخلاف والفجوة الكبيرة بين الشعب الأمريكي والسعودية .. بعدما قام بتبرئتها من الاتهامات التي وجهت لها ، ومسؤولياتها القانونية ومطالباتها بتعويضات هائلة لمسئولياتها عن احداث سبتمبر ، كما ابرأ أيضاً امام العالم اجمع ذمة ولي العهد ونفي مسئوليته عن مقتل خاشقجي ..ولم يكتف بذلك.. حيث اتهمه بأنه كان شخصية سيئة ومكروهة .
أما جريدة الفورين بوليسي .. فقد أشارت الي ان الاتفاق على انشاء برنامج نووي كان هو الاولوية الاولي والهدف الأساسي من الزيارة .. لأنه يتيح للسعودية دخول النادي النووي ، ويسمح لها بمواجهة أي تهديدات ايرانية او اسرائيلية ، ويمكنها من انشاء برنامج نووي سلمي يمكن تحويله مستقبلاً لبرنامج عسكري يسمح لها بتخصيب اليورانيوم .. وخصوصاً بعد المعلومات التي اكدت اكتشاف اليورانيوم بكميات وفيرة بداخل الأراضي السعودية… وهو ما يزيد من القلق والتوتر الاسرائيلي .
وفي مجال تهدئة مخاوف المجتمع الاسرائيلي اشارت جريدة يديعوت احرونوت الاسرائيلية الي انه يصعب اتمام تلك الصفقات واستكمالها .. لأنها تمت بناء علي أمر تنفيذي من ترامب دون العرض علي الكونجرس .. لأن القانون الامريكي يضع شروطا صعبة ومعقدة لإنفاذ مثل هذه الصفقات ويشترط موافقة البنتاجون بعد دراستها مبدئياً.. حتى يتم عرضها علي الكونجرس ليوافق عليها.. ثم يتم بعد ذلك عرضها علي لجنه خاصه مستقلة تضع ضوابط استراتيجية وعسكرية صعبة ، وتتأكد من توافر شروط وضمانات فنية وتكنولوجية معقدة حتي توافق نهائياً علي الصفقة .. واشاروا الي ان تلك الاجراءات المطولة والتعقيدات الكبيرة كانت سبباً في عدم تنفيذ صفقة بيع هذه الطائرات للأمارات العربية التي وقعت اتفاق الصفقة مع الادارة الاميركية عام ٢٠٢٠ .
وقالوا ان الاتفاق ينص علي تسليم اول طائره للسعودية بعد مرور٧ سنوات التوقيع .. وهي فترة كبيرة تتغير فيها احوال الرئاسات والسياسات الأمريكية ..كما ان ترامب سيغادر الحكم بعد ٣سنوات ،ومثل تلك الأوامر التنفيذية لن تكون ملزمة بأي حال للرئيس القادم للبيت الابيض … ونفس الحال ينطبق علي التعاون في باقي المجالات وخاصة في التعاون النووي الذي يتطلب اجراءات وموافقات أكثر تعقيدا .
وقد شككت النيويورك تايمز في مدي قدرة الصندوق السيادي السعودي علي تمويل مثل هذه الصفقات وخاصة خلال السنوات الثلاث المتبقية في فترة ترامب… علي ضوء قلة الموارد المالية المتاحة بالصندوق والتي أثرت سلباً علي بعض المشروعات السعودية العملاقة ، وادت الي اختزال أو تأجيل بعضها .ودللت علي ذلك بأن ولي العهد السعودي لم يحدد اطاراً زمنياً واضحاً لصرف تلك المبالغ .
وفي النهاية .. وبصرف النظر عن كل الانتقادات والتشكيكات التي وجهت للزيارة .. فلقد خدمت تلك الزيارة ترامب ورفعت اسهمه بالداخل الأمريكي ..واستطاع استغلالها وتكييفها لصالحه بصرف النظر عن مدي جديتها ومدي امكانية تحقيقها خلال فترة رئاسته .. وقام بتحسين صورته الذهنية لدي المجتمع الأمريكي باعتباره أفضل رئيس امريكي حصل علي استثمارات خارجية ، ولا ننكر أيضاً انه نجح فعلياً في محاصرة وتحجيم النفوذ الصيني وأبعاده عن السعودية والخليج ، بالإضافة لحصوله علي موافقة علنية من ولي العهد بالمشاركة بمبالغ طائلة في اعادة اعمار غزة … اما علي المستوي الشخصي فقد حصلت اسرته وشركاته التجارية علي عقود عمل وشراكات واستثمارات جبارة بالمملكة .
وعلي الجانب الآخر فقد نجحت السعودية ولأول مرة في التاريخ في لتقف امام اسرائيل وتواجه اللوبي الداعم لها في عقر دارهم من داخل البيت الأبيض ، واصبحت نداً سياسياً وحليفاً قوياً لها مع امريكا اهم وأقرب حلفائها ، وحطمت كل الثوابت والقيود لشراء السلاح الأمريكي ، وفتحت الطريق أمام الدول العربية الأخرى للحصول عليه ، وحصل ولي العهد علي موافقة علانية من ترامب بالتدخل لإيقاف الحرب في السودان ، واستطاع نقل الرسالة الايرانية والتوسط واقناعه بالموافقة علي اعادة التفاوض مع ايران .
اما علي المستوى الشخصي فقد تمكن ولي العهد السعودي من تدعيم وتثبيت اركان نفوذه في المملكة وبداخل الاسرة المالكة .. بعدما تم تتويجه أمام العالم .. ومن داخل البيت الأبيض .. ملكاً منتظراً للمملكة العربية السعودية ، وخادماً مستقبلياً للحرمين الشريفين .

لواء / مروان مصطفى المدير الأسبق للمكتب العربي للإعلام الامني بمجلس وزراء الداخليه العرب

زر الذهاب إلى الأعلى