مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب: لماذا اختارت إيران مجتبى خامنئي لقيادة المرحلة؟

0:00

تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية خلفًا لوالده علي خامنئي رأي فيه البعض تناقضًا مع روح الثورة الإيرانية 1979 التي قامت أساسًا لإسقاط النظام الملكي الوراثي في إيران.
فمن الناحية الظاهرية، يبدو أن انتقال القيادة من الأب إلى الابن يطرح سؤالًا حساسًا حول فكرة توريث السلطة داخل نظام ثوري ديني قام على رفض هذا المبدأ.
لكن القراءة الأعمق لطبيعة النظام الإيراني، و التوقيت السياسي الذي جاء فيه القرار، تكشف أن المسألة قد لا تتعلق بالتوريث بقدر ما تتعلق بشيء آخر أكثر تأثيرًا في الوعي السياسي الإيراني: مشروعية الدم.

في الثقافة السياسية الشيعية، لا يُنظر إلى السلطة دائمًا من زاوية الإجراءات المؤسسية فقط، بل من زاوية الرمزية التاريخية والشرعية الثورية.
ومن هذه الزاوية، تحوّل مجتبى خامنئي – في الوعي السياسي الإيراني – من مجرد ابن للمرشد السابق إلى رمز للثأر السياسي بعد اغتيال والده.
وهذه النقطة تحديدًا أدركتها قيادة الحرس الثوري الإيراني مبكرًا، فاستثمرت هذا البعد الرمزي في دفع مجلس خبراء القيادة نحو حسم مسألة الخلافة بسرعة.
وبذلك لم يعد تعيين مجتبى مجرد انتقال تقليدي للسلطة، بل تحول في الخطاب السياسي الإيراني إلى فعل سيادي مقاوم في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
لكن ، لماذا يُعد مجتبى خامنئي خيارًا مثاليًا للحرس الثوري؟
في الحسابات الاستراتيجية داخل النظام الإيراني، يمتلك مجتبى خامنئي مجموعة من العوامل التي جعلته خيارًا مفضلًا لدى الدوائر الأمنية.
أول هذه العوامل يتمثل في رمزيته الدينية؛ إذ ينتمي إلى عائلة من السادة الأشراف، وهو ما يمنحه حضورًا رمزيًا داخل الحوزات العلمية يصعب الطعن فيه بسهولة.
أما العامل الثاني فيتعلق بخلفيته الفكرية، إذ يُعرف بأنه أحد تلاميذ مدرسة محمد مصباح يزدي، أحد أبرز المنظرين للفكر الثوري المتشدد داخل المؤسسة الدينية الإيرانية.
هذه المدرسة الفكرية تمثل في الواقع العمود الفقري للعقيدة السياسية للحرس الثوري، ما جعل مجتبى أقرب فكريًا إلى النواة الصلبة للنظام.
أما العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية، فهو أن مجتبى ظل لسنوات طويلة بعيدًا عن المناصب الرسمية والصراعات السياسية اليومية، وهو ما جعله بالنسبة للأجهزة الأمنية شخصية نظيفة سياسيًا وغير مرتبطة بشبكات الفساد أو التنافس البيروقراطي.
وهذا ما يجعله – من وجهة نظر الحرس الثوري – الحليف المثالي الذي يمكن أن يوفر غطاءً شرعيًا دينيًا لمشاريع الدولة الأمنية والعسكرية.
لماذا لا يُتوقع حدوث انقسام داخلي؟
رغم التحليلات التي توقعت أن يؤدي تعيين مجتبى خامنئي إلى صراعات داخل النظام، فإن قراءة موازين القوى داخل إيران تشير إلى أن هذا السيناريو قد يكون بعيدًا عن الواقع.
فاللحظة التي جاء فيها القرار لحظة استثنائية، حيث صدرت بالفعل فتاوى من عدد من الحوزات العلمية تدعو إلى الانتقام للقائد المغدور.
وفي هذا السياق، يصبح مجتبى خامنئي – بصفته الابن – ولي الدم السياسي، وهو موقع رمزي يمنحه شرعية قوية لقيادة المرحلة.
وهذا يعني أن أي اعتراض داخلي على قيادته قد يُفسَّر بسهولة باعتباره عرقلة لواجب ديني وقومي في لحظة صراع.
ضعف المعارضة يعزز تماسك النظام
العامل الآخر الذي ساعد النظام الإيراني على تمرير هذا الانتقال بسلاسة يتمثل في حالة الانقسام التي تعيشها المعارضة الإيرانية.
فالخلافات العميقة بين تيارات المعارضة، إضافة إلى ارتباط بعض رموزها بالخارج، خاصة نجل الشاه السابق، أضعفت قدرتها على تقديم بديل سياسي مقنع داخل إيران.
بل إن هذا الواقع خلق مفارقة لافتة، حيث أصبح جزء من الرأي العام الإيراني – حتى بين المعارضين للنظام – يرى أن الحفاظ على سيادة الدولة أهم من المغامرة ببديل سياسي مرتبط بالقوى الخارجية.
مجتبى خامنئي كملاذ للنظام
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن تعيين مجتبى خامنئي لم يكن مجرد اختيار شخصي لخليفة، بل خطوة محسوبة تهدف إلى حماية النظام من أخطر لحظة قد يواجهها: لحظة انتقال السلطة في زمن الحرب.
فالحرس الثوري أدرك أن الداخل الإيراني في هذه المرحلة لا يبحث عن تغيير القيادة بقدر ما يبحث عن ضمان قدرة الدولة على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
ومن هنا تحول مجتبى خامنئي من مجرد خيار للخلافة إلى ما يمكن وصفه بـ الملاذ الأمني للنظام الإيراني.
الخلاصة
الجدل حول توريث السلطة في إيران قد يبدو منطقيًا من زاوية النظر التقليدية للأنظمة السياسية.
لكن في الواقع الإيراني، حيث تتداخل الرمزية الدينية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية، يبدو أن تعيين مجتبى خامنئي لم يكن مجرد توريث، بل قرارًا سياسيًا يهدف إلى تحويل لحظة الخطر إلى لحظة تعبئة وطنية حول القيادة الجديدة.
وبهذا المعنى، فإن النظام الإيراني لم يسع فقط إلى اختيار مرشد جديد، بل إلى إعادة إنتاج شرعيته في لحظة مواجهة تاريخية.

زر الذهاب إلى الأعلى