مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: في ذكراه الثلاثين… كيف فهِمَ “الغزالي” الإسلام؟

0:00

في التاسع من مارس 2026م يكون قد مرّ على رحيل فضيلة الداعية الشيخ “محمد الغزالي” ( 22 سبتمبر 1917م _ 9 مارس 1996م ) ثلاثون عامًا.

والمتأمل يجد أن رحيل الشيخ كان رحيلَ جسد، لا رحيلَ أثر، فلا يزال الأثرُ باقيًا والدورُ ممتدًّا؛ ذلك بفضل الإخلاص الذي تَلْمَسُهُ وتشعُر به في كل كلمةٍ يكتبها أو ينطقها، فالرجل فَهِمَ الإسلامَ فهمًا صحيحًا، فأحسن تبيانَه وأحسن الدفاعَ عنه، ووضع يده على عِلَلِ الأمة كطبيب ماهر شخّص الداء، فأحسن وصفَ الدواء، حتى أن عموده الذي كان يكتبه في صحيفة الشعب كان يأتي تحت عنوان ثابت هو ” هذا دينُنا “.

يقول الغزالي:
_ ” الإسلام زاوجَ بين الرُّوحِ والجسد، والقلبِ والعقل، والدنيا والآخرة، وأكبرَ الإنسانَ وأعلى رسالتَه، وأقام علاقتَه بالله وبالناس على دعائمَ عقليةٍ راسخة “.

_ ” رسالة محمد تضمنت أسبابَ بقائها إلى آخر الدهر، فهي موائمةٌ لطبائع البشر عامةً، متجاوبةً مع نداء الفِطَر السليمة، وصبغتُها الإنسانيةُ العامة واضحةٌ في سائر تعاليمها “.

_ ” يصنع الإسلامُ من أفراد الأمة ربَّانيين يجعلون اللهَ غايتَهم، ورضوانَه أملَهم، والاستعدادَ للقائِه شغلَهم! هل معنى ذلك أنه يصنع أمةَ دراويش؟! كلا، إنه يصنع أمةَ كدحٍ وجهاد تخدم الدنيا والآخرةَ معًا. والمهم أنها عندما تباشر شؤون الحياة تدرك أن الله رقيبٌ عليها، وأنها مسؤولةٌ عن إحسان كل ما يخرج من بين أصابعها، ولها على ذلك خيرُ الدنيا والآخرة، والفرق واسعٌ بين مجتمعٍ يعبد التراب وآخر يرمق ربَّ الأرباب “.

_ ” ونحن نعلم أن الإيمانَ الحق والعملَ الصالحَ وحدَهما هما أساسُ القَبولِ الأعلى، وبهما تسبق الأفرادُ والأمم…. إن المسلمين لا يشرفهم إلا الإخلاصُ لله، والتفاني في طاعته، والشجاعةُ في نصرته، والجراءةُ على عدوه. والانتماءُ المجرد لمحمد عليه الصلاة والسلام – وهو أفضل الخلق يقينًا – لا يُغني عن العاطلين شيئًا “.

_ ” تَكرارُ عروبةِ القرآن توكيدٌ للرسالة التي حملها العرب، وهم في هذا العصر فقراءُ إلى هذا التوكيد، فقد نبتت بينهم نابتةٌ تحسب أن العربَ أغنياءُ عن الإسلام! ويوم يستغني العربُ عن القرآن فسيكونون أذلَّ شعوب الأرض!!”.

_ ” إن هذا القرآنَ عالي المكانة مليءٌ بالحكمة، وليس له في العِلم الإلهي نظير، على أن الأممَ التي كفرت بالوحي خسِرت دنياها وأخراها معًا، ولن يكون العربُ خيرًا منها مآلًا “.

_ ” إن هذا الإسلامَ سياجُ الحياةِ للعرب الذين حملوه للناس، وبلسانهم نزل كتابُه، وهم إذا أخلصوا له صاروا العالمَ الأول وأمسَوْا قادةَ الأرض “.

_ ” ومما يَزيدُ السُّخطَ أن عربَ اليوم تهي علاقتُهم بالإسلام، في وقتٍ يزدادُ اليهودُ وغيرُهم تعلقًا بمواريثهم، أي أن العقائدَ كلَّها تنتعش إلا الإسلامَ وحدَه، فمحكومٌ عليه بالانكماش، بل مطلوبٌ له التلاشي! “.

_ ” على أن انتصارَ المؤمنين يحتاج إلى أمرين: صدقُ النية وحُسنُ الأداء، ولا يُغني أحدُ الأمرين عن الآخر، والمسلمون فقراءُ إلى معرفةِ الأمر الثاني وتوكيدِه؛ فإن بعضَهم يتخيلُ أن الصلاحَ وحدَه يُحققُ النتيجةَ المرجوة كأن الملائكةَ ستنزل لجبر القصور في إعداد المؤمنين للمعركة، أو سوءِ خوضِهم لها، وهذا بعيد. ابذل ما لديك كله إيمانًا وعملًا، إخلاصًا ومهارة، ثم ارتقب الخير ولو كانت قواك أقل، فقد بذلتَ ما تملك ولن يخذلك الله بعدئذ “.

_ على أن العلة الدائمة لهزائمهم ( يقصد المسلمين ) لا تجيء من كَلَبِ العدو عليهم قدر ما تجيءُ من تفرق كلمتهم، واختلال صفوفهم، فمصائبهم من أنفسهم دائمًا، فإذا صحَوا من غفوتهم رجعت لهم الدولة “.

سيظل “الغزالي” المفكر _ الذي يمكنك أن تختلفَ معه _ حيًّا بأفكاره ورسالته الدعوية التي أخلص لها، وما الذكرى إلا تاريخٌ يجعلنا نتذكر عظمةَ رجالِنا المخلصين الذين تركوا بصمةً في حياتنا لا يمحوها الزمن؛ إذ كتبَ اللهُ لها الخلود.

زر الذهاب إلى الأعلى