مقالات الرأى

د.داليا البيلي تكتب : مصر للطيران تحصد جائزة «الأكثر تطورًا عالميًا».. إنجاز مصري في سماء التميز

في صناعة شديدة التنافسية مثل صناعة الطيران، لا يُقاس النجاح بعدد الطائرات أو الوجهات فقط، وإنما بقدرة المؤسسة على التطوير المستمر، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز تجربة المسافر، والاستثمار في العنصر البشري، وتحويل رضا العميل إلى مؤشر حقيقي للتميز المؤسسي.

ومن هنا تكتسب الإنجازات التي حققتها شركة مصر للطيران خلال عام 2026 أهمية خاصة، لأنها لا تمثل مجرد جائزة دولية أو مركز متقدم في أحد التصنيفات، بل تعكس مسارًا من التحسن والتطوير في أداء الناقل الوطني المصري.

فقد حصلت مصر للطيران على جائزة «أكثر شركات الطيران تطورًا وتحسنًا على مستوى العالم» لعام 2026 (World’s Most Improved Airline) ضمن جوائز Skytrax العالمية، وهي الجائزة التي توضح المؤسسة أنها تعكس التحسن في جودة شركة الطيران عبر برنامج الجوائز ككل، بما يشمل تغير ترتيبها العالمي وتحسن أدائها في فئات التقييم المختلفة.

والأرقام هنا تتحدث بوضوح؛ فقد أصبحت مصر للطيران في المركز السادس والأربعين عالميًا في تصنيف Skytrax لعام 2026، مقابل المركز التاسع والستين في القائمة المنشورة لعام 2025، لتدخل بذلك قائمة أفضل 50 شركة طيران في العالم.

ولم يقتصر الإنجاز على ذلك؛ فقد جاءت مصر للطيران في المركز الأول أفريقيًا في فئة أفضل طاقم ضيافة جوية، والمركز العشرين عالميًا في الفئة نفسها، كما أعلنت وزارة الطيران المدني حصولها على المركز الأول في فئة أفضل درجة سياحية بأفريقيا والمركز الثاني بين أفضل شركات الطيران في القارة.

وقد هنأ الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 18 سبتمبر 2026، قطاع الطيران المدني المصري بهذا الإنجاز، مشيرًا إلى حصول مصر للطيران على الجائزة وتقدمها إلى المركز السادس والأربعين عالميًا ودخولها قائمة أفضل 50 شركة طيران في العالم.

ولكن بالنسبة لي، فإن قيمة هذا الإنجاز تتجاوز الأرقام والمراكز.

فكخبير في إدارة الجودة والتميز المؤسسي، ومن واقع تجربتي الشخصية المتكررة مع مصر للطيران، أرى أن الاختبار الحقيقي للجودة لا يكون في الجوائز والتصنيفات وحدها، وإنما فيما يشعر به العميل ويعيشه بالفعل أثناء حصوله على الخدمة.

ومن تجربتي الشخصية، لمست مستوى راقيًا من الخدمة والتعامل منذ بداية الرحلة وحتى الوصول؛ بدءًا من حفاوة الاستقبال والاهتمام بالتفاصيل، مرورًا باحترافية طاقم الضيافة وحرصه على راحة المسافر، ووصولًا إلى احترافية قائد الطائرة وسلاسة الرحلة وهدوء الإقلاع والهبوط. وهي تفاصيل متكاملة تمنحك شعورًا بالراحة والطمأنينة إلى درجة تجعلك لا تشعر بطول المسافة أو عناء الرحلة.

ولهذا أصبحت مصر للطيران خياري الأول عند اختيار شركة الطيران؛ ليس فقط لأنها الناقل الوطني الذي يحمل اسم مصر وعلمها، وإنما لأن تجربتي الفعلية معها منحتني الثقة في مستوى الخدمة والاحترافية التي يقدمها أبناؤها.

ومن منظور إدارة الجودة، فإن هذه التفاصيل ليست أمورًا هامشية، بل هي جوهر ما نطلق عليه تجربة العميل (Customer Experience). فالعميل لا يرى الخطط الاستراتيجية للمؤسسة، ولا إجراءاتها التشغيلية، ولا برامج التدريب ومؤشرات الأداء التي تعمل خلف الكواليس، لكنه يشعر بنتائج كل ذلك في كل نقطة اتصال بالمؤسسة.

وهنا تكمن المعادلة المهمة: الجودة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى أن يقرأ العميل مؤشراتها؛ يكفي أن يشعر بنتائجها.

فحين يشعر المسافر بحسن التعامل، والاهتمام، والاحترافية، والراحة والأمان، فإن كل هذه التفاصيل تمثل في النهاية انعكاسًا لما يحدث داخل المؤسسة من عمليات وأنظمة وإدارة للموارد البشرية وتدريب ومتابعة وتحسين.

ومن هنا، فإن تزامن التقييم الدولي مع تجربة إيجابية يلمسها المسافر على أرض الواقع يمنح الإنجاز دلالة أكبر. فالتصنيف الخارجي يقيس الأداء وفق منهجيته، بينما تبقى تجربة العميل أحد أهم الاختبارات العملية لجودة الخدمة.

وفي الوقت نفسه، تعلمنا فلسفة الجودة والتميز المؤسسي أن الحصول على جائزة لا يمثل نهاية الرحلة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر تحديًا. فدخول قائمة أفضل 50 شركة طيران عالميًا يرفع سقف التوقعات، ويجعل المحافظة على مسار التحسن مسؤولية أكبر.

وهذا يتطلب استمرار الاستثمار في العنصر البشري، وتعزيز التحول الرقمي والتكنولوجيا، وتطوير تجربة المسافر في مختلف مراحل رحلته، والاستماع المنهجي إلى صوت العميل، وتحليل ملاحظاته وشكاواه، وتحويل نتائج قياس الرضا إلى فرص للتحسين المستمر. وقد أكد وزير الطيران المدني الدكتور سامح الحفني، عقب إعلان النتائج، أهمية مواصلة التطوير والتحديث والاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا والارتقاء بالخدمات لتعزيز تنافسية الناقل الوطني.

ومصر للطيران بالنسبة لنا ليست مجرد شركة طيران؛ فهي ناقل وطني يحمل اسم مصر وعلمها إلى مطارات العالم، ومن ثم فإن كل تجربة سفر ناجحة على متن طائراتها تسهم في تقديم صورة عن مصر وكفاءات أبنائها وقدرتهم على تقديم خدمة تنافس على المستوى الدولي.

إن إنجاز 2026 يحمل رسالة مهمة: المؤسسات العريقة تستطيع أن تتطور، وأن تتقدم، وأن تعزز موقعها التنافسي عندما تجعل التحسين المستمر جزءًا من ثقافتها المؤسسية.

ويبقى ما أؤمن به دائمًا في مجال عملي: الجودة ليست محطة نصل إليها، وإنما رحلة لا تنتهي، والتميز ليس إنجازًا نحتفل به فقط، بل مسؤولية للحفاظ عليه والبناء عليه.

فمبروك لمصر للطيران، ومبروك لكل فرد من أبنائها والعاملين فيها. فالطائرة التي نراها تحلق في السماء تحمل شعار مصر للطيران وعلم مصر، ولكن خلف كل رحلة ناجحة منظومة كاملة من الجهود والكفاءات المصرية.

ولتبقَ مصر للطيران دائمًا محلقة باسم مصر، حاملةً علمها إلى العالم، ومعبّرةً عن صورة تليق بتاريخ وطن عظيم.

د. داليا البيلي
استشاري إدارة الجودة والتميز المؤسسي

زر الذهاب إلى الأعلى