مقالات الرأى

حازم البهواشي: كرامة الإنسان الموظف!!

مُمتطيًا صهوةَ الغرور، مُرتديًا ثوبَ التكبرِ والتسلط، جاهلًا بالواقعِ الفِعلي في المدارس، مُتناسيًا أن الاحترامَ واجبٌ لكل إنسان مهما كان، وأن السلطةَ مسؤولية، وأن حسابَ الموظف له قانون وليس كما يحلو لسيادته، قام المسؤولُ الكبيرُ بجولةٍ تفقديةٍ لبعضِ المدارس، لا ليقفَ بنفسِه على السلبيات ومُعوقاتِ العمل ولكن (لأخذ اللقطة) وتوثيقِ أنه يعملُ بجُهد ولا يَكَلُّ ولا يَمَلّ!! ولستُ أدري لماذا يَعتبر كلُّ مسؤولٍ نفسَه فوقَ مرؤوسِيه؟! حتى إنه لو جلسَ أحدُهم على بابِ (دورة مياه) لتحكَّمَ في الناس من باب أنه يَشْعُرُ أنه مديرُ المكان وأن الجميعَ في حاجةٍ إليه!!ِ

هكذا يتعاملُ كلُّ موظفٍ مع مَن هُم دُونه، (ولستُ أُعمِّمُ بالطبع؛ فالتعميمُ مِن العَمَى) يَشْعُرُ الموظفُ أن المواطنَ له حاجةٌ عنده بصورةٍ شخصية، وليس أنه في هذه الوظيفة لتسييرِ وتيسيرِ حاجاتِ الناس، وفرقٌ كبيرٌ بين الشعورَين!! ويَشعرُ المسؤولُ الكبير أن الموظفين والمواطنين أناسٌ دونه في المستوى، وليس أنه سلطةٌ تنفيذيةٌ بصفتِه عُضوًا في الحكومة، ومُهمتُه هي تنفيذُ ما يُيَسِّرُ على الناسِ حياتَهم، لماذا يَشعرُ المسؤولون عندنا أنهم مِن طِينةٍ غيرِ طِينةِ هذا البلد، أو أنهم مِن طِينةٍ غيرِ طِينةِ الخلقِ عمومًا، وأنهم مُميزون عن باقي الشعب؟!

في الحديثِ الصحيح الذي رواهُ الإمامُ مسلم، يقول رسولُ الله _ صلى الله عليه وسلم _ : “اللهُمَّ مَنْ ولِي من أمْرِ أُمَّتِي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُقْ علَيهِ، ومَنْ ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهمْ فارْفُقْ بِهِ”. ويقول شُرَّاحُ الحديث: (وضَعَ الإسلامُ دُستورًا للرَّاعي مع الرَّعيَّةِ، أساسُه الرِّفقُ بهم، والعفوُ ورَفعُ المشقَّةِ عنهم، والتَّيسيرُ عليهم لِبُلوغِ مَصالِحِهم، وبيَّن أنَّ الحُكمَ والولايةَ مَسئوليَّةٌ تَقومُ على الجَدارةِ والكَفاءةِ مع العِلمِ والفِقهِ).

لماذا أنا في هذا المكان / المنصب؟ تُمثلُ الإجابةُ على هذا السؤال حجرَ الأساس في كيفيةِ التعاملِ مع المواطنين، لذا أرجو أن يُجيبَ عليه كلُّ مسؤول _ كبيرًا كان أم صغيرًا _ بينه وبين نفسِه بصراحة؛ فوَعْيُ المرءِ بالإجابةِ على هذا السؤال يُمثل حدًّا فاصلًا في سيرتِه الوظيفية.

يُحكى أن لجنةً من لجانِ وزارةِ التربية والتعليم نزلتْ في مهمة تفتيش على مدرسةٍ إعدادية بإحدى المدن الصغيرة، وكان ذلك إبَّان امتحاناتِ الثانوية العامة، أي أن امتحاناتِ المرحلةِ الإعدادية قد انتهت، سألتِ اللجنة عن إحدى الوكيلات، فقال المدير صادقًا: (إن لها ابنًا في الثانوية العامة، وقد أتتْ صباحًا لبعضِ الوقت ثم ذهبتْ لتُتَابِعَهُ)، رَدَّ عُضوُ اللجنة رافعًا صوتَه: (يعني إيه يا أستاذ، هو دا كلام ينفع، هات دفتر الحضور والانصراف لما أشطّب عليها)!! رد المدير: (ما ترفعش صوتك، الدفتر قدامك افعل ما بدا لك، لكن ما ترفعش صوتك، المناصب مش دايمة، والتربية والتعليم مافيهاش مناصب، وأنت ذاتك لو كان عندك ولد في الثانوية العامة ماكنتش جيت لنا النهاردة)!!

يُؤسفني أن يَعِيَ المسؤولُ الواقعَ ويعرفَه جيدًا حتى يصيرَ مسؤولًا، فينقلبَ حالُه، ويتصور أن المدارسَ كلها تمام، وأن التقصيرَ والإهمالَ من العاملين، وأن المستشفيات كلها تمام، وأن التقصير والإهمالَ مِن العاملين!! منذ سنواتٍ عِدَّة أعلنت وزارةُ التربية والتعليم أن جميعَ الفصول بالمدارس أصبح بها (مراوح سقف)، وهذا إنجازٌ لم تَقُمِ الوزارةُ فيه بشيءٍ إلا إصدارَ القرار، وتركتْ عِبْءَ التنفيذ على المديرين والمدرسين، (اتصرفوا وشوفوا القرار هيتنفذ إزاي)؟!! والسبيل الوحيد بالطبع هو (جيب المدير والوكيل والمُدرس وأهل الخير)، ويجعله عامر!!

في أزمة كورونا مثلًا، كان لا بد أن يرتديَ الأطباءُ (كمامات) من نوعٍ خاص، لن تستطيعَ وزارةُ الصحة توفيرَه بكَمِّيَاتٍ كافية، وبالطبع السبيلُ الوحيد هو (جيب الطبيب وأهل الخير)!! والأمثلةُ كثيرة في قريتي وفي كلِّ أرجاءِ مِصر، لأننا شعبٌ بينه تكاتف مهما ظهرَ عنده من أخطاء وزلات، شعبٌ يُحب بلدَه ويخافُ عليه، ولا يَعتبرُ نفسَه ضيفًا فهو صاحبُ المِلك!!

لـ “ابن الرومي” الشاعر الكبير (221هـ – 283هـ / 836م – 896م) بيتان من الشِّعر أرجو أن يَعِيَهُمَا كلُّ مسؤول بالإضافةِ إلى حديثِ رسولِ الله _ صلى الله عليه وسلم _ السابقِ ذِكْرُهُ في المقال، يقول “ابنُ الرومي”:
إن الأميرَ هو الذي
يُدْعَى أميرًا يومَ عَزْلِهْ

إِنْ فاتَ سُلطانُ الولايةِ
فَهْوَ في سُلطانِ فَضْلِهْ.

زر الذهاب إلى الأعلى