مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب: ‏ ‏(الإدارة بين عبد السميع البواب وأبو العيال والحكومة)

‏عباره « مش عايز يحصللي زي اللي حصل للحكومة. الانضباط بتاعي حاجة تانية»… قالها المعلم عبد السميع (أحمد زكي) في فيلم «البيه البواب» عام ١٩٨٧، لمساعده الذي كان يشغل منصب رئيس مصلحة في الحكومة، وتقاعد ليلتحق مساعدًا لعبد السميع. هذا الأخير جرده من لقب «بيه» ومنح نفسه لقب «المعلم»، وكان يعمل في أي شيء يدر ربحًا (سمسرة… عملة… احتيال… إلخ).

‏في كل الدول، متقدمة كانت أم دون ذلك، تُنتقد الحكومة بسبب أدائها الذي لا يرضي تطلعات الشعب دائمًا، حتى لو كان جيدًا. إما لأن صور الحياة الأفضل في دول أخرى أصبحت تنتقل بسهولة عبر كل الوسائل، أو لأن تطلعات أي فئة من الناس تتوق إلى أفضل مما هي عليه الآن، أو لأن الأداء الحكومي السيئ يزيد قسوة الحياة على شعوب فقيرة لا حيلة لها إلا الاعتماد الكلي على الحكومة في رعايتها ودعمها وتشغيلها وتعليمها وصحتها، لأنهم لا يملكون ما يجعلهم يعينون أنفسهم.

‏ويخضع الأداء الحكومي غالبًا لعدم الاستحسان من شعوبها، إما لأنه لا يستحق الإشادة، أو بفعل تحريضي حتى إن كان مقبولًا.

‏عندما تتولى حكومة إدارة بلد فقير اقتصاديًا، تقع في منطقة حرجة؛ لأن أداءها يصب مباشرة في بطن جائع، أو جسد مريض، أو عقل فارغ. لا بديل إلا أن يُغذى ويُعالج ويُعلّم ويستنير، وإلا سيموت أو يصبح عالة أخرى بسبب مرضه أو اختطاف عقله. تلك حاجات أساسية، وإشباعها في حال الفقر لن يجعل الأمر إلا «محلك سر» في صورة ناس تكتفي من الدنيا بوجبة وتدعو الله بالفرج عندما يحل موعد الأخرى، وقرص دواء يسكن ألمًا ولا يشفي مرضًا… فكيف هذا والكون نفسه يخلق متطلبات جديدة متطورة كل يوم، تجعل الثبات على حد الكفاف انزلاقًا إلى الخلف؟

‏هذا الوضع يشبه إلى حد التطابق حال «أبو العيال» الفقير، الذي يعمل على باب الله أجيرًا، أو حتى موظفًا في الدرجات الدنيا، أو فلاحًا يحوز قيراطين وبقرة، وعنده «كوم لحم» (عيال) لا يكاد ما يجنيه اليوم يكفيهم، ليبدأ احتياجات يوم جديد معه تطلعات جديدة وسخط شديد من الزوجة والأولاد. لا يملك حيالهم إلا أن يدفن وجهه قهرًا في راحتيه اللتين تبللهما دموع قهره وانكساره، وإن كان متمسكًا بربه يغمره إيمان بفرج الله.

‏وعليه، فإن الأداء الحكومي يجب أن يكون عبقريًا ليضمن طعام اليوم وعلاجه وتعليمه، ويستثمر ويخطط ليجعل نيلهم مستقبلًا سلسًا ومؤمنًا. وهذا يستدعي أفكارًا خارج كل القوالب الجامدة لخلق توازن بين الفقر والتنمية، التي إن لم تتم يكون الفقر مهلكًا وأبديًا.

‏أن تتبنى الحكومة الأساليب السهلة وتزويق واقع سيئ، والتدبير المالي بالرسوم للمرور من الاختناقات المالية، أمر بليد. الأنجز منه المكاشفة والمصارحة بالواقع دون حياء. وشاهده تصرف تشرشل، الذي يُصنف من أعظم من قادوا بريطانيا، عندما كاشف شعبه بسوء الوضع بقوله: «ليس لدي ما أقدمه سوى الدماء والكفاح والدموع والعرق» عام ١٩٤٠. وقتها كانت بريطانيا شبه وحيدة تعاني ويلات الحرب بعد تحييد اغلب حلفائها بالهزيمة من ألمانيا، وعليه ثابروا معًا وانتصروا، المكاشفه تتطلب تضييق الهوه بين فهم المواطن الذي لاتعنيه من ارقام ميزان المدفوعات والموازنه والميزانية ومعدل النمو والتضخم العالمي وتاثيرات الجيوسياسه علي الارقام لكن يعنيه رقمين فقط مايقبض ومايدفع فان كان الفرق لصالح الدخل احس باريحيه والا فهو ساخط.

‏في الدراما، جاء عبد السميع بطل «البيه البواب» من قاع المجتمع ليعيش في دنيا جديدة خلقت لديه تطلعات رغم مهنته المتواضعة، فألقى بنفسه في أنشطة جديدة عليه تدر دخلًا عاليًا، واستعان في عمله بمن يملك خبرات يستطيع الاتكاء عليهم في التفكير والإنجاز. وعندما أطلق عبارته «لا مش عايز يحصللي زي اللي حصل للحكومة. الانضباط بتاعي حاجة تانية» ردًا على مساعده الذي ذكر أنه كان قمة الانضباط في عمله الحكومي… العبرة من الاستشهاد بما جاء في الفيلم ليست تزكية لأنشطة البواب التي أغلبها غير شرعي وتعتمد على الفهلوة وربما النصب ومخالفة صريحة للقانون والدين، لكن العبرة أن شخصًا بإمكانات متواضعة أدرك أن عوارًا يصيب الإدارة الحكومية يجعلها محل نقد وسخط وعدم رضا، ولا يتمنى ما أصابها من خيبة أن يناله.
‏الأداء الحكومي يحصّن بلادته بكم مهول من الإجراءات والورقيات تجعل طلب المواطن البسيط الممكن إنجازه بدقيقة يستغرق أيامًا، ويجعل مشروعًا ممكن تنفيذه عمليًا في فترة وجيزة تستغرق تحضيراته واللجان والمناقصات والمزايدات والممارسات والبت، ثم يستغرق الإشراف بتعقيداته والاستلام والافتتاح أوقاتًا ممتدة تجعل الفائدة صفرية من المشروع لتجاوزه وقت الحاجة إليه. ورغم التضييق بالأوراق والاختناق بالإجراءات التي تُبرَّر بأنها متطلبات قانونية، إلا أن اختراقها يتم بحرفية لا يستطيع القانون في أغلب الأحيان أن يضبطها.

‏ما يسري على مشروع يُبنى يسري على أنشطة الإدارة الحكومية للتعليم والعلاج والزراعة والتنمية المحلية، وحتى الثقافة والإعلام والتخطيط والاستثمار، سقطت في شباك اللجان والمذكرات والتأشيرات، وقبلها سقطت أي فكرة للتطوير والانطلاق رعبًا من تلك الدوامة.
‏وهو ما يتجاوزه القطاع الخاص بتضييق المسافات بين الفكرة والتنفيذ، وبين فكرة الانطلاق والتحليق عاليًا في برهة، متحررًا من كل ما يعيقه ويكبله ويحطم مشروعه للمستقبل والنمو. ولا يعني هذا أنه بلا قانونية ولا تدقيق ولا محاسبة أو جودة فائقة.

زر الذهاب إلى الأعلى