
تهدف مبادرة وجهود رئيس جمهورية طاجيكستان، إمام علي رحمن، في تطوير الذكاء الاصطناعي على الساحة العالمية، إلى معالجة قضية بالغة الأهمية في عصرنا: ألا وهي: أن تخدم الإنجازات التكنولوجية التقدم البشري، والمساواة في الوصول إلى المعرفة، والتنمية المستدامة للدول. وبالنسبة لطاجيكستان، فإن المشاركة في هذه العملية تعني الجمع بين السياسة الدولية وتدريب الكوادر، وتطوير البحث العلمي، ورفع مستوى الوعي الرقمي لدى المجتمع.
في 24 سبتمبر 2024، ألقى رئيس طاجكيستان خطابًا في المناقشة العامة للدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة. ووفقًا لوزارة خارجية طاجيكستان، فقد عُرضت في هذا الخطاب تحديدًا مبادرةٌ بشأن دور الذكاء الاصطناعي في خلق فرص جديدة للتنمية المستدامة في آسيا الوسطى. وفي 25 يوليو/تموز 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار ذي الصلة، والذي سُجّل في السجل الرسمي للأمم المتحدة تحت الرقم A/RES/79/322.
في 23 سبتمبر2025، ألقى رئيس جمهورية طاجيكستان كلمة أمام مناقشات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تم التأكيد على أهمية التقنيات الرقمية والاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي في سياق مناقشة قضايا التنمية.
في 31 أغسطس 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمبادرة من جمهوريتنا، قراراً بإعلان اليوم الدولي للذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق. وسيبدأ الاحتفال السنوي به في 31 أغسطس 2027. ويُبيّن الاسم الكامل لهذا اليوم بوضوح التوجه الرئيسي للمبادرة: يجب أن يتوافق تطوير التكنولوجيا مع ضمان سلامة وأمن الأنظمة وموثوقية استخدامها.
تتجلى الأهمية الدولية لموقف طاجيكستان في ضرورة الحد من التفاوت التكنولوجي. وينبغي أن تُتاح للدول ذات الموارد الحاسوبية المحدودة فرصة المشاركة في البحوث، وتدريب المتخصصين، والاستفادة من الإنجازات العلمية. لذا، يُمكن أن يُشكّل تعزيز التعاون الإقليمي، وتبادل الخبرات، وتنظيم برامج تعليمية مشتركة، استمرارًا عمليًا للمبادرات المقترحة.
الذكاء الاصطناعي هو مجال من مجالات العلوم والتكنولوجيا يدرس أساليب أداء المهام المتعلقة بالتعلم، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة، واتخاذ القرارات من خلال الأنظمة الحاسوبية.
في عام 1950، نشر عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينج بحثه بعنوان “آلات الحوسبة والذكاء”. وقد أثار مسألة قدرة الآلة على إظهار سلوك يشبه الذكاء إلى صدارة النقاش العلمي، مقترحًا طريقة تُعرف باسم “لعبة المحاكاة”. ومع ذلك، فإن النجاح في مثل هذا الاختبار لا يثبت في حد ذاته وجود الوعي أو التجربة الداخلية الشبيهة بالتجربة البشرية.
في 31 أغسطس 1955، قدّم كلٌّ من جون مكارثي، ومارفن مينسكي، وناثانيال روتشستر، وكلود شانون، مقترح مشروع دارتموث الصيفي. استخدمت الوثيقة مصطلح “الذكاء الاصطناعي”، وكان من المقرر أن يبدأ البرنامج البحثي في صيف عام 1956. يُعتبر هذا الاجتماع عمومًا إحدى نقاط الانطلاق للذكاء الاصطناعي كمجال بحثي مستقل.
في المراحل الأولى، ركز الباحثون على القواعد المنطقية وحل المشكلات وتمثيل المعرفة. لاحقًا، طُوّرت أنظمة الخبراء لأداء مهام مهنية محدودة. إلا أن محدودية البيانات، وضعف القدرة الحاسوبية، وارتفاع التوقعات، حالت دون تحقيق التقدم المأمول دائمًا.
مع تزايد حجم البيانات الرقمية وقوة الحواسيب، اكتسبت تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية فرصًا أكبر. في التعلم الآلي، يتعلم النظام أنماطًا من عينات البيانات. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيُنشئ نصوصًا أو صورًا أو محتوى آخر بناءً على الأنماط المُتعلمة. ولا يضمن سلاسة الإجابة دقتها، إذ قد يخلط النظام بين بيانات صحيحة واستنتاجات خاطئة.
يستمد الذكاء الاصطناعي مكانته من قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات والمساعدة في أداء المهام المعقدة. والسؤال الرئيسي هو إلى أي مدى سيساهم استخدامه في تحسين جودة التعليم والخدمات والقرارات المهنية.
في مجال التعليم، يمكن استخدام هذه الأدوات لشرح المفاهيم، وتطوير تمارين مناسبة للمستوى، وتدريس اللغات. ويظل دور المعلم قائماً في تشخيص مشاكل الطلاب، وتقييم فهمهم، وتعزيز شعورهم بالمسؤولية. ويُقاس النجاح بقدرة الطالب على شرح المشكلات وحلها بشكل مستقل.
في البحث العلمي، يُمكن للذكاء الاصطناعي تسهيل عمليات البحث في المراجع، ومعالجة البيانات، واختبار الفرضيات. مع ذلك، يجب التحقق من المراجع التي يُقدمها النظام ومقارنتها بالمصدر الأصلي. لا ينبغي إدراج المعلومات المُضللة، أو الاقتباسات المفقودة، أو النتائج غير المُوثقة في المقالة. ويبقى الباحث مسؤولاً عن دقة بحثه.
بالنسبة لطاجيكستان، تشمل فرص التنفيذ دراسات الموارد المائية، ورصد التغيرات البيئية، والزراعة، والسياحة، والخدمات العامة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد تحليل صور الأقمار الصناعية في دراسة تغيرات الأنهار الجليدية؛ كما يمكن للأدوات متعددة اللغات أن تُحسّن وصول السياح إلى المعلومات الموثوقة. هذه مجالات عمل محتملة، وتعتمد فعالية كل منها على جودة البيانات، والتحقق المحلي، ومشاركة الخبراء.
يواجه سوق العمل بشكل متزايد الحاجة إلى إعادة تأهيل الموظفين. فأتمتة بعض المهام تُغير هيكل العمل وتتطلب مهارات جديدة في مراقبة الجودة وتحليل البيانات وإدارة الأنظمة. ويتعين على المؤسسات تدريب موظفيها بالتوازي مع إدخال التكنولوجيا. وسيصبح تطوير الذكاء الاصطناعي تقدماً اجتماعياً عندما تُتاح نتائجه لمختلف فئات المجتمع.
الذكاء الفطري هو قدرة الإنسان على الإدراك والتعلم والتحليل والإبداع والتقييم الفكري. والحفاظ عليه في ظل التطورات التكنولوجية يعني الحفاظ على الاستقلال الفكري والقدرة على اتخاذ قرارات مدروسة. ومن الخطأ علميًا افتراض أن كل تقدم في الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى تراجع القدرات البشرية. فالأثر يعتمد على طريقة استخدامه، وبيئة التعلم، ومدى مشاركة الفرد الفعّالة.
من المخاطر العملية لسوء الاستخدام التعود على الإجابة الجاهزة. فإذا اعتاد الطالب قبول الحل الجاهز دون تفكير، تقلّ فرص ممارسة التحليل والاستدلال. كما قد يقبل الإجابة دون التحقق منها بسبب جاذبية النظام. ولتجنب ذلك، ينبغي أن تكون عملية التفكير جزءًا لا يتجزأ من استخدام هذه التقنية.
يمكن استخدام الإجراء التالي في التدريس: يبدأ الطالب بكتابة المشكلة وحل محتمل بشكل مستقل؛ ثم يستخدم أداة رقمية لتقديم شرح أو مقارنة؛ ثم يحلل الاختلافات والأخطاء المحتملة. وأخيرًا، يشرح الطالب الاستنتاج بأسلوبه الخاص مدعومًا بالأدلة. يُعدّ الدفاع الشفهي، والمسائل العملية، وشرح أسباب اختيار الإجابة، مناسبة لاختبار الفهم الحقيقي.
إن حماية الحرية الفكرية مرتبطة أيضاً بأمن المعلومات. إذ يمكن استخدام الصور والأصوات والنصوص المزيفة للتضليل أو التأثير. وقبل نشر أي خبر، من الضروري التحقق من مصدره وتاريخه والتحقق منه بشكل مستقل. كما أنه ليس من الصواب تحميل المعلومات الشخصية والوثائق السرية ومعلومات الآخرين على المنصات دون الحصول على المبررات والإذن اللازمين.
يؤكد دليل اليونسكو للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، الذي أُطلق في 7 سبتمبر 2023، على نهجٍ يركز على الإنسان وحماية البيانات. كما يدعو إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الصادر عن المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST) إلى تقييم موثوقية الأنظمة في تصميمها وتطويرها واستخدامها. بالنسبة لمؤسساتنا، تُقدم هذه المناهج درسًا عمليًا: تحديد الغرض والمخاطر والجهة المسؤولة عن المراقبة وكيفية تصحيح الأخطاء قبل تطبيق أي أداة.
ينبغي للبشرية أن ترحب بتطور الذكاء الاصطناعي بوعي واستعداد. فالجهل في هذا المجال يحرم الإنسان من فرص جديدة ويجعله عرضة للخداع وسوء الاستخدام. إن فكرة ضرورة الاهتمام بنقص المعرفة في مجال الذكاء الاصطناعي تشير إلى الحاجة إلى التعلم المستمر. هذا الموقف لا ينفي المخاطر الحقيقية؛ بل على العكس، يُعدّ الوعي بها شرطًا أساسيًا للاستخدام الرشيد للتكنولوجيا.
إنّ الإلمام بالذكاء الاصطناعي أوسع من مجرد كتابة استعلام لبرنامج. يجب على المستخدم معرفة المهام التي يمكن للنظام المساعدة فيها، ومواطن الخلل، وكيفية اختبار النتائج. ويشمل هذا الإلمام التمييز بين الحقيقة والتخمين، وفهم حدود البيانات، والوعي بقواعد الخصوصية. بالنسبة للمختصين، تبقى المعرفة المتعمقة بالمجال ضرورية، لأنه بدونها يصعب تقييم استجابة الآلة.
من المناسب أن تُدمج المدارس والجامعات عناصر الذكاء الاصطناعي في مختلف المواد الدراسية. ففي دروس اللغة، يمكن التحقق من النص المُولّد للتأكد من معناه وأدلته؛ وفي الرياضيات، يمكن تبرير الحل المقترح؛ وفي التاريخ، يمكن مقارنة مصادر التواريخ والأحداث.
يحتاج المعلمون والصحفيون والموظفون الحكوميون أيضاً إلى برامج قصيرة وعملية. ينبغي أن تُعلّم هذه البرامج كيفية التحقق من الإجابات، وحماية البيانات، وكشف المحتوى المُزيّف، وتقييم النتائج. أما بالنسبة لسكان المناطق، فتُعدّ الموارد المتاحة باللغة الطاجيكية، والتعليم عن بُعد، والاستشارات العملية أموراً بالغة الأهمية.
إلى جانب الإلمام العام بالقراءة والكتابة، من الضروري تدريب المهندسين والباحثين في هذا المجال. ينبغي عليهم تعلم الرياضيات والبرمجة والإحصاء وأساليب تقييم النماذج. ويُعد التعاون بين المتخصصين التقنيين واللغويين والمعلمين أساسيًا لتطوير الأدوات الطاجيكية. كما أن إتاحة الوصول الجيد إلى اللغة الوطنية تُمكّن المواطنين من استخدام التكنولوجيا بفهم أعمق والمشاركة في إنتاج المعرفة.
بإمكان مبادرات طاجيكستان أن تُحقق نتائج مستدامة من خلال برامج علمية وتعليمية مُحددة. يتمثل المقترح الأول في تنظيم تعاون مستمر بين الجامعات ومراكز البحوث في المنطقة بشأن قضايا المياه والمناخ والتعليم واللغات الوطنية. ويجب تحديد المشكلة المراد حلها والبيانات اللازمة ومعايير تقييم النتائج مُسبقًا لكل مشروع.
أما المجال الثاني فيتمثل في تعزيز الوصول العادل إلى الموارد التعليمية والحاسوبية. ويمكن لبرامج التدريب المشتركة، وتبادل الباحثين، والاستخدام المشترك للمختبرات أن تقلل من القيود التي تواجهها المؤسسات الفردية. وفي مثل هذه الشراكات، ينبغي تحديد حماية البيانات وحقوق الملكية الفكرية ومصالح المشاركين بوضوح.
أما المجال الثالث فيتمثل في تعزيز التقييم المستقل لجودة الأنظمة وأمنها. قبل الاستخدام الواسع النطاق، من الضروري اختبار دقة الاستجابات، وقدرتها على تحمل الأخطاء، وملاءمتها للغة والبيئة المحليين. وينبغي الحفاظ على إشراف الخبراء ومراجعتهم للقرارات التي تؤثر على حياة البشر. فالثقة هي ثمرة التحقق والشفافية والمساءلة.
يمكن استغلال اليوم الدولي للذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق لعرض نتائج جهود هذا العام. بإمكان الجامعات عرض أبحاثها وموادها التعليمية، والمؤسسات عرض ممارساتها المُثبتة، والمجموعات الشبابية عرض مشاريعها الرامية إلى حل المشكلات المجتمعية. ينبغي قياس النتائج بمؤشرات واضحة، تشمل تحسين جودة التعلّم، وتقليل الأخطاء، وتوسيع نطاق الخدمات المتاحة للسكان.
باختصار، ينبغي أن يهدف التطور العالمي للذكاء الاصطناعي إلى توسيع القدرات البشرية، والحفاظ على الاستقلال الفكري، وتحقيق توزيع عادل للفرص. بالنسبة لطاجيكستان، يُعدّ الاستثمار في الإنسان والعلوم والتعاون الفعال استمرارًا منطقيًا للمبادرات الدولية. فالمجتمع الذي يتعلم، ويدرس الأدلة، ويتحمل مسؤولية قراراته، قادر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لتحقيق تقدمه. والمقياس النهائي لهذا التقدم هو تحسين حياة الإنسان.










