
قيرغيزستان – كوريا: من الحوار السياسي إلى الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا
كتبت : فاطمة بدوى
رفعت القمة الأولى بين دول آسيا الوسطى وجمهورية كوريا والزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس القرغيزي سادير جاباروف إلى كوريا، البُعد الاقتصادي للتعاون القرغيزي الكوري إلى مستوى جديد. وقد أُولي اهتمام خاص لجذب الاستثمارات، والتعاون في القطاع الصناعي، وتوطين الإنتاج، والموارد المعدنية الهامة، والطاقة، والنقل، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي.
عُقدت القمة في السادس عشر من سبتمبر في العاصمة الكورية سيول، بحضور رؤساء دول قيرغيزستان وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، بالإضافة إلى الرئيس الكوري لي جاي ميونغ. وأسفر الاجتماع عن توقيع إعلان سيول، الذي حدد المجالات الرئيسية للتعاون طويل الأمد، كما تم الاتفاق على عقد القمة كل عامين في المستقبل.
من الحوار إلى التعاون المستدام
لا تقتصر أهمية الصيغة الجديدة للاقتصاد القرغيزي على توسيع العلاقات الثنائية مع سيول فحسب، بل إنها ترفع، ولأول مرة، مستوى التعاون الكوري مع خمس دول من آسيا الوسطى إلى مستوى رؤساء الدول، وترسّخ على أسس مؤسسية متينة.
بحسب إعلان سيول، اتفق الطرفان على تطوير تعاون عملي في مجالات التجارة والاستثمار، والصناعة وسلاسل التوريد، والنقل، والطاقة، والمعادن، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والعلوم والتكنولوجيا. كما ناقشا إجراء مشاورات دورية ومتابعة تنفيذ الاتفاقات المبرمة.
تُولي الوثيقة اهتماماً خاصاً بتنويع التجارة، أي زيادة نطاق السلع، وتوسيع القدرات الإنتاجية، وإزالة الحواجز غير الجمركية أمام التجارة. وفي هذا الصدد، تضطلع وحدات المكتب الكوري المتخصصة، التي تهدف إلى دعم الشركات الكورية، فضلاً عن اتفاقيات التعاون الجمركي، بدورٍ هام.
ومن المجالات المهمة الأخرى إنشاء سلاسل إمداد مستدامة. فبينما تتمتع آسيا الوسطى بموارد طبيعية وسوق متنامية، تمتلك كوريا قدرات صناعية وتكنولوجية هائلة. وقد حدد الإعلان مهمة الجمع بين هذه المزايا لتطوير الإنتاج المشترك وزيادة القيمة المضافة للمنتجات داخل المنطقة.
ماذا اقترحت قيرغيزستان؟
في القمة، اقترح الرئيس سادير جاباروف تركيز التعاون على المشاريع العملية والتحرك نحو التنفيذ العملي للاتفاقيات التي تم التوصل إليها.
من بين مقترحاته إنشاء مجلس لمؤسسات الدولة يُعنى بقضايا الاستثمار، ووضع محفظة موحدة للمشاريع ذات الأولوية، وإنشاء صندوق استثماري مشترك لتمويل المبادرات. وتهدف هذه الآليات إلى توطين الإنتاج وتسهيل دخول الشركات الكورية إلى أسواق آسيا الوسطى.
أولى رئيس الدولة اهتماماً خاصاً بالتعاون التكنولوجي. واقترحت قيرغيزستان إنشاء شبكة من المنصات التكنولوجية التجريبية المشتركة التي تتيح اختبار وتطبيق الحلول التكنولوجية الجديدة عملياً. كما طُرح تطوير التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والعلوم والتعليم.
استمر التعاون الاقتصادي خلال جلسة خاصة ضمن قمة الأعمال في سيول، بمشاركة أكثر من 30 شركة من قيرغيزستان ونحو 50 شركة من كوريا. وأسفر الاجتماع عن توقيع 10 اتفاقيات بين ممثلي قطاع الأعمال من البلدين.
حدد الرئيس خمسة مجالات رئيسية للتعاون: الطاقة، والنقل والتعاون الصناعي، والسياحة والمجمع الزراعي الصناعي، ورأس المال البشري، والتقنيات الرقمية.
في قطاع الطاقة، دعت قيرغيزستان الشركات الكورية للمشاركة في مشاريع ضخمة مثل بناء محطة كامبار-أتا-1 الكهرومائية، وإنشاء محطات كهرومائية جديدة، وتحديث منشآت الطاقة القائمة. كما طُرحت قضايا رقمنة نظام الطاقة، وإنشاء مصانع لإنتاج معدات مصادر الطاقة المتجددة والنقل الكهربائي في قيرغيزستان.
يُعد مشروع خط السكة الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان أحد أهم المشاريع في قطاع النقل. وقد عرضت قيرغيزستان على الشركات الكورية المشاركة في مشاريع إنشاء مجمعات صناعية ومراكز لوجستية على طول مسار السكة الحديدية.
من الاستيراد إلى الإنتاج
من أهم القضايا بالنسبة لقرغيزستان توسيع العلاقات التجارية وتعزيز التعاون في القطاع الصناعي. وفي إطار الزيارة الرسمية، دعا الرئيس الشركات الكورية للمشاركة في إنشاء مشاريع مشتركة في قرغيزستان وتأسيس مصانع إنتاج في البلاد.
تتمحور القضية حول إمكانية تطوير إنتاج وتجميع السيارات والأدوية والمنسوجات والمعدات الإلكترونية في قيرغيزستان. وبهذه الطريقة، يمكن أن تصبح قيرغيزستان ليس فقط سوقًا للسلع الكورية، بل أيضًا منصة لتصنيع المنتجات وتصديرها إلى أسواق دول آسيا الوسطى الأخرى.
يرى الخبير الاقتصادي دينيس بيرداكوف أن قيرغيزستان تمثل منصة واعدة لإنتاج وتجميع المنتجات الكورية. ويقول إنه على الرغم من صغر حجم السوق المحلية في البلاد، إلا أن اقتصادها ينمو، والاهتمام بالمنتجات الكورية في ازدياد.
وبحسب الخبير، فقد زاد حجم التبادل التجاري بين قيرغيزستان وكوريا عشرة أضعاف في السنوات الخمس الماضية.
“في السنوات المقبلة، إلى جانب الشركات الكورية الصغيرة، قد تفتتح شركات كبيرة مثل دايو وهيونداي مكاتب تمثيلية كبيرة في قيرغيزستان. وفي ظل هذه الظروف، قد يصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ملياري دولار”، هذا ما قاله دينيس بيرداكوف على إذاعة بيرينشي.
ويرى بيرداكوف أن من أجل تعزيز التعاون، من المهم ضمان تسيير رحلات جوية منتظمة بين قيرغيزستان وكوريا الجنوبية، وتسهيل إجراءات التأشيرات، وجذب الاستثمارات الكورية، وتطبيق حلول تكنولوجيا المعلومات، وتطوير الصناعة. كما أشار إلى أنه بالنظر إلى تجربة كوريا الجنوبية، توجد فرص كبيرة في قطاعي الملابس والصناعات الخفيفة.
تطوير المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية
يُعدّ قطاع المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية مجالاً هاماً آخر للتعاون الاقتصادي. فبالنسبة لكوريا، تُعتبر هذه الموارد بالغة الأهمية لتزويد الصناعات التكنولوجية بالمواد الخام اللازمة وتنويع مصادر إمدادها، أي توسيع نطاق إمكانية الحصول عليها من عدة دول.
أولى إعلان سيول اهتماماً خاصاً لمسألة الجمع بين الموارد الطبيعية لآسيا الوسطى والقدرات التكنولوجية لكوريا. ولا يقتصر الأمر على تصدير المواد الخام فحسب، بل أعربت الأطراف عن رغبتها في معالجتها، وإنشاء مصانع في البلاد، وتطوير التعاون العلمي والتقني، وتدريب المتخصصين، فضلاً عن إنشاء مشاريع إنتاج مشتركة ذات قيمة مضافة عالية.
بالنسبة لقرغيزستان، لا يقتصر هذا التوجه على تصدير المواد الخام فحسب، بل يوفر أيضاً فرصة لإنشاء مصانع معالجة محلية وإتقان التقنيات الجديدة.
الطاقة والبنية التحتية
كما تم تحديد الطاقة كأحد المجالات ذات الأولوية للتعاون. وأبدت الأطراف اهتماماً بتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة الكهرومائية، ومصادر الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتحديث البنية التحتية للطاقة.
خلال قمة الأعمال، دعت قيرغيزستان الشركات الكورية للمشاركة في مشاريع الطاقة في البلاد. وإلى جانب بناء منشآت جديدة، نوقشت أيضاً مسألة إدخال أنظمة إدارة حديثة لقطاع الطاقة ورقمنة نظام الكهرباء.
كما حدد إعلان سيول فرص التعاون في إنشاء مراكز لوجستية وموانئ جافة ورقمنة شبكة التجارة. ويُنظر إلى تطوير طرق النقل والبنية التحتية اللوجستية التي تجمع بين عدة أنماط من النقل على أنه اتجاه مهم لتعزيز ترابط آسيا الوسطى مع الأسواق الخارجية.
الرقمنة والذكاء الاصطناعي
ومن المجالات المهمة الأخرى للتعاون تطوير التقنيات الرقمية. وقد أشار إعلان سيول إلى الاهتمام بالاستخدام الواسع النطاق للتقنيات الرقمية في الصناعة والزراعة والإحصاء والمشتريات العامة والخدمات العامة.
اتفقت كوريا ودول آسيا الوسطى أيضاً على تطوير التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا والابتكار. ومن المخطط مواصلة المشاريع المشتركة وتدريب المتخصصين في هذا المجال.
بالنسبة لقرغيزستان، يتيح هذا فرصةً لتقديم حلول تكنولوجيا المعلومات الكورية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب متخصصين عصريين، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا. وقد اقترح الرئيس سادير جاباروف إنشاء مراكز متخصصة لتدريب المتخصصين، وتنفيذ برامج تعليمية مشتركة، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا.
ما هي الوثائق التي تم توقيعها؟
تعززت المفاوضات بشأن التعاون الاقتصادي بوثائق ملموسة. ونتيجة للزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس سادير جاباروف إلى كوريا، تم توقيع عدد من الوثائق الثنائية بين البلدين.
وتشمل هذه الاتفاقيات اتفاقية بين مجلس وزراء قيرغيزستان والحكومة الكورية بشأن التعاون والمساعدة المتبادلة في الشؤون الجمركية. كما وقّعت وكالة الاستثمار الوطنية مذكرات تفاهم مع كل من المؤسسة الكورية للبنية التحتية والتنمية الحضرية ووكالة كوريا لترويج التجارة والاستثمار.
إضافةً إلى ذلك، وقّعت وزارة الاقتصاد والتجارة في قيرغيزستان ووزارة التجارة والصناعة والموارد في البلاد مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال التجارة والاستثمار. وتغطي بعض الوثائق مجالات الطاقة والزراعة والملكية الفكرية والتنمية الحضرية والبنية التحتية وحرية تنقل العمالة وغيرها.
كما تم توقيع مذكرة تفاهم بشأن التعاون في قطاعي الصناعة وسلاسل التوريد، وذلك بصيغة دول آسيا الوسطى وجمهورية كوريا. إضافةً إلى ذلك، تم اعتماد عدد من المبادرات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والعلوم والتكنولوجيا، وتغير المناخ، وانتقال الطاقة، وتحسين جودة الهواء.
تتمثل المهمة الرئيسية الآن في ترجمة الاتفاقات المبرمة إلى مشاريع ملموسة وضمان تنفيذها. ولتحقيق ذلك، من المهم تحديد المجالات ذات الأولوية بوضوح، وتحسين الظروف للمستثمرين، وتقديم الدعم المنهجي للمشاريع حتى إطلاقها.
بينما يُحدد إعلان سيول التوجهات العامة للتعاون بين كوريا ودول آسيا الوسطى، تُغطي الوثائق الثنائية مجالات محددة للتفاعل بين قيرغيزستان وكوريا. وتتمثل المرحلة التالية في تنفيذ الاتفاقيات المُبرمة، والتي تشمل إنشاء مشاريع مشتركة، وجذب الاستثمارات، وتوطين الإنتاج، وإدخال التقنيات الحديثة، وخلق فرص عمل جديدة.
سيتم تقييم فعالية شكل التعاون الجديد بشكل أساسي من خلال كيفية ترجمة الاتفاقات التي تم التوصل إليها إلى مشاريع ملموسة وإنتاج نتائج عملية في شكل استثمارات وإنتاج جديد ووظائف.










