مقالات الرأى

د. باسم المذحجي يكتب: اليمن .. شراكة استراتيجية وتنسيق مع مصر والخليج

أولاً: الخلاصة – لماذا الشراكة الآن؟
في ظل تراجع المظلة الأمنية الأمريكية وانسحاب واشنطن من التدخل المباشر، أصبحت الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الأمني رفيع المستوى بين اليمن ومصر ودول الخليج هي الخيار الأنجح والأنفع للطرفين لمواجهة تهديد “الكماشة الإيرانية” على البحر الأحمر قبل الوصول لنقطة الانفجار.

ويتقاطع هذا التشخيص مع ما ذهبت إليه الزميلة الدكتورة إبتسام الكتبي في دراسات مركز الإمارات للسياسات 2022-2024: “من لم يملأ الفراغ الأمني في البحر الأحمر سيُفرض عليه، وأمن الخليج ومصر يبدأ من باب المندب وليس من الخليج العربي”.

ثانيًا: أعمدة الشراكة المقترحة.
1. تأمين الساحل الغربي وباب المندب.
استعادة الدولة اليمنية لسيطرتها الكاملة على موانئ الساحل الغربي وباب المندب. الهدف: حماية حركة الملاحة المباشرة المؤدية لقناة السويس وتأمين 12% من التجارة العالمية، وتجفيف منابع تهريب السلاح.

وتؤكد الكتبي في ورقة “أمن البحر الأحمر”: “من يحكم المخا والحديدة يحكم مفتاح قناة السويس. والساحل الغربي لم يعد شأنًا يمنيًاداخليًا بل قضية أمن قومي خليجي ومصري”.

2. الدعم اللوجستي والدبلوماسي وبناء القدرات المحلية.
1. *الدور المصري: تقديم الدعم السياسي في المحافل الدولية والأمم المتحدة + التأهيل التدريبي والأمني لمؤسسات الشرعية اليمنية.
2. الدور الخليجي: الدعم المالي والاستخباراتي وتأمين الغطاء البحري والجوي وتجفيف تمويل “شركة الحرب الحوثية” البالغ 2 مليار دولار سنويًا.
3. الشراكة مع الفاعلين على الأرض: كما أشارت الكتبي، يجب التعامل بواقعية مع “القوى المحلية الفاعلة” في الساحل كشريك في تأمين الممرات، ضمن إطار الدولة وسيادة الحكومة المعترف بها.

ثالثًا: مسألة الشرعية في اليمن وتعز والساحل الغربي – من يحكم؟
مسألة أحقية جماعة الحوثي في حكم تعز أو اليمن هي خلاف سياسي وعسكري جوهري:

1. موقف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
ترى أن تواجد الحوثي هو احتلال بقوة السلاح وانقلاب على الإجماع الوطني ومخرجات الحوار الوطني.
تستند إلى: الدستور اليمني + المبادرة الخليجية + القرار 2216 الذي يطالب بإنهاء السيطرة المسلحة.

_نموذج دبلوماسي ناجح: الدكتور عبد الكريم الإرياني.
نجح في كسب وحشد الدعم الدولي لليمن عام 1990 عبر 5 ركائز: هندسة الاعتراف الدولي بالوحدة، إدارة الأزمات في مجلس الأمن، الخلفية الأكاديمية من جامعة ييل، الربط بين التخطيط والتنمية لجذب المانحين، وسياسة جوار حكيمة مع السعودية وإريتريا.

2. الوضع الميداني الحالي في تعز.
وسط المدينة ومعظم المديريات: سيطرة الحكومة الشرعية – محور تعز العسكري.
الأطراف الشمالية والشرقية*: سيطرة حوثية + حصار خانق على المنافذ منذ سنوات = أزمة إنسانية حادة.

رابعًا: تراجع دور الغرب ووجود فراغ أمني لملئه – “لحظة الانتقال الإقليمي”.
يشهد البحر الأحمر تحولاً استراتيجيًا خطيرًا تمثل في انسحاب تدريجي للمظلة الأمنية الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وتركه فراغًا تملأه إيران ووكلاؤها.

1. أبعاد التراجع الأمريكي – 4 مؤشرات.
أ. تحول العقيدة من “الردع” إلى “إدارة الصراع”: رفض الرئيس ترامب 12 سبتمبر 2026 طلبين سعوديين لشن ضربات.
ب. اتفاقات عدم الاستهداف الثنائية: خلق “طبقتين من الأمن البحري”.
ج. عادة التمركز نحو المحيط الهادئ والصين: سحب 80% من الأصول البحرية من الشرق الأوسط.
د. إرهاق التدخل وفوبيا المستنقعات: إجماع أمريكي على تجنب أي تدخل طويل في اليمن.

2. نتائج الفراغ: من يملأه؟
أ. إيران – “شركة الحرب”: استخدمت الفراغ لتطوير الحوثي وإنشاء “جسر الموت” عبر الصومال.
ب. قوى إقليمية منفردة: عمليات أحادية بدون تنسيق موحد = تشتيت جهد. وهنا يأتي دور “الشراكة” لسد هذه الثغرة.
ج. فوضى غير متماثلة: مسيرات بـ 2000$ تغلق ممرًا تكلفته 2 مليار$.

3. لماذا هذا الفراغ خطر على مصر والخليج؟*
1. قناة السويس: 60% من إيراداتها مرتبطة بباب المندب. أي تهديد = خسارة 8-10 مليار دولار سنوياً.
2. *أمن الطاقة*: 30% من نفط الخليج يمر عبر باب المندب.
3. الهجرة والإرهاب: الفراغ يحول الساحل اليمني والصومالي لمأوى لشبكات تهريب تهدد سيناء والخليج.

4. الخلاصة الاستراتيجية: “مبدأ الملء” وتقاطعه مع الرؤية الإماراتية.

في العلاقات الدولية: “الفراغ لا يدوم. إذا لم تملأه أنت، سيملأه عدوك”.

وهذا ما أكدت عليه الكتبي في سيناريوهات “اليمن ما بعد الحرب”: إما “دولة فيدرالية قوية” أو “تفكك ناعم” إذا استمر الفراغ.

الخيار الوحيد لمصر والخليج: إما نملأ الفراغ بشراكة يمنية-مصرية-خليجية لبناء دولة اتحادية قوية، أو نتركه لإيران ونحاربها لاحقًاعلى أراضينا وبسعر أغلى 10 مرات.

خامسًا: مؤشرات التصعيد – متى ستتحرك مصر والخليج عسكرياً؟

وفقاً لتقارير الشرق الأوسط، هناك 3 مؤشرات رئيسية إذا تم تجاوزها ستدفع مصر ودول الخليج لخيارات تصعيدية مباشرة:

1. تهديد الملاحة وأمن باب المندب.
محاولات تعطيل الحركة واستهداف السفن التجارية المرتبطة بقناة السويس.
الأثر: ضربة مباشرة للأمن القومي المصري + شلل 12% من التجارة.

2. المخاطر الاقتصادية وأزمة الطاقة.
خروج ممرات الطاقة عن السيطرة + ارتفاع تكاليف الشحن + أزمة غذاء عالمية.
الأث: انهيار اقتصادي إقليمي + انعكاس مباشر على موازنات الخليج ومصر.

3. تراجع الفاعلية الأمنية الغربية.
انحسار المظلة الأمريكية + فشل الردع.
الأثر: فراغ أمني يجبر السعودية ومصر على تطوير “رؤية دفاعية مشتركة”.

سادسًا: مؤشرات قياس نجاح الشراكة – آلية المتابعة كل 90 يوم.

1. محور الأمن البحري*: انخفاض هجمات باب المندب 80% خلال 6-9 أشهر. قياس: غرفة العمليات المشتركة.

2. محور الاقتصاد والملاحة*: استقرار إيرادات قناة السويس. قياس: هيئة القناة.
3. المحور العسكري الميداني*: تحرير ميناءين + 30 كم في الساحل الغربي. قياس: محور تعز.
4. المحور المؤسسي والبشري*: تأهيل 5000 عسكري + 200 دبلوماسي في مصر والخليج.

آلية المتابعة: اجتماع رفيع المستوى كل 90 يوم لمراجعة المؤشرات.

_الخاتمة والتوصية:
لا أمن لقناة السويس بدون أمن باب المندب.
ولا أمن لباب المندب بدون دولة يمنية قوية مدعومة بمصر والخليج.

التوصية: إعلان فوري عن تفعيل “غرفة عمليات مشتركة يمنية-مصرية-خليجية” لتنفيذ خطة 6-9 أشهر لاستعادة الساحل الغربي وكسر الكماشة. التأخير لم يعد خيارًا.

باحث استراتيجي يمني.

زر الذهاب إلى الأعلى