السيد خلاف يكتب: لماذا طلب بن سلمان ترامب ضرب الحوثيين..ولم يطلب حلف مكة؟

هناك خبران خرجا في توقيت شديد الدلالة، وإذا وضعناهما جنبًا إلى جنب سنجد أن القضية لم تعد مجرد تصعيد جديد بين السعودية والحوثيين، وإنما تحولت إلى اختبار حقيقي لكل ترتيبات الأمن الإقليمي التي جرى الإعلان عنها خلال الأسابيع الماضية.
الخبر الأول نشرته «أكسيوس»، وكشف أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب خلالهما بتوجيه ضربات أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، لكن ترامب رفض، وأبلغ الرياض أن الولايات المتحدة لا تملك في الوقت الراهن خططًا للتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين.
وجاء ذلك بينما كان الحوثيون يوسعون تقدمهم على الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك السيطرة على مواقع وجزيرة استراتيجية قرب باب المندب.
أما الخبر الثاني، فجاء من صنعاء ولكن من الرياض هذه المرة حيث أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن حماية الساحل اليمني واستعادة سيطرة الدولة على أراضيها وموانئها ومياهها الإقليمية أصبحت مصلحة يمنية ومصرية وعربية ودولية مشتركة، مشيرًا بصورة مباشرة إلى مصر، ومحذرًا من أن أي تغيير عسكري بالقرب من باب المندب لا يمكن اعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا، لأن تأثيره يمتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.
لكن ..لماذا طلب بن سلمان أمريكا.. وليس حلف مكة؟ أو بمعنى آخر: إذا كانت السعودية قد أنشأت قبل أسابيع فقط إطارًا دفاعيًا مع تركيا وباكستان، فلماذا عندما وصلت الأمور إلى اختبار حقيقي طلبت الرياض من واشنطن التدخل؟
والإجابة تكشف الفارق بين اتفاقية دفاعية وبين قرار خوض حرب هجومية خارج الحدود،والاتفاق ينص
على أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا على الدول الأخرى، ويهدف إلى تعزيز الردع والتعاون الدفاعي.
لكن الاتفاق لم يُصمم، على الأقل في صورته المعلنة، ليكون غرفة عمليات لشن حرب هجومية بالنيابة عن السعودية.
ولهذا كان اعلان باكستان أنه لا توجد حاليًا مناقشات بشأن رد عسكري في إطار اتفاق مكة على هجمات الحوثيين ضد السعودية، مع تأكيدها أنها ستتصرف عندما يحين الوقت ووفق الاتفاق.
وهذا الموقف يحمل دلالة استراتيجية أكبر من مجرد تصريح دبلوماسي ،باكستان تريد الاحتفاظ بعلاقتها مع السعودية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تدخل حربًا مفتوحة مع الحوثيين، خصوصًا أن باكستان تحاول الحفاظ على قنواتها مع إيران، كما تلعب دورًا في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن.
أما تركيا، فالمعادلة بالنسبة إليها ليست أقل تعقيدًا، كونها عضو في الناتو، ولها حدود مباشرة مع إيران، ولا تبدو مستعدة لتحويل اتفاق مكة إلى حرب إقليمية مفتوحة مع طهران وحلفائها،كما أن طبيعة الحرب اليمنية ، والجغرافيا الجبلية والساحلية المعقدة، تجعل التدخل العسكري البري التركي مختلفًا تمامًا عن تقديم دعم دفاعي أو تكنولوجي.
بل إن الدول الثلاث نفسها أكدت بعد اجتماعها الأخير استمرار التركيز على خفض التصعيد وضبط النفس والحلول السلمية، بالتوازي مع بناء هياكل التعاون الدفاعي والسكرتارية المشتركة.
إذن، عندما احتاجت الرياض إلى ضربة جوية أمريكية مباشرة، لم يكن السؤال متعلقًا فقط بمن يملك السلاح، وإنما بمن يستطيع اتخاذ قرار الحرب دون أن يحولها إلى حرب إقليمية شاملة.
ترامب لا يريد تكرار خطأ إيران في اليمن ،ورفضه الطلب السعودي لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن السعودية،قد يكون العكس هو الأقرب.
فواشنطن، وفق المعطيات الحالية، تريد حماية مصالحها في المنطقة، والحفاظ على حرية الملاحة والطاقة، لكنها لا تريد فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن في الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات الحرب مع إيران مفتوحة.
فالحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة يمنية مسلحة يمكن إنهاء قدرتها بضربات جوية محدودة..أنهم يمتلكون صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وقدرات مضادة للسفن، وتطورت قدراتهم بدعم إيراني، إلى جانب وجود مكونات وتقنيات صينية في منظومة التسليح والإنتاج الحوثية.
والأخطر أن الحوثيين أصبحوا الآن يتمددون على الجبهة التي تمثل بالنسبة إلى السعودية نقطة ضعف استراتيجية: البحر الأحمر وباب المندب، السيطرة الحوثية على ميناء المخا والتقدم باتجاه باب المندب، ثم السيطرة على جزيرة ميون، تعني أن المعركة لم تعد تدور حول صعدة أو صنعاء، وإنما حول عقدة بحرية تربط الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وهنا يظهر العامل الصيني أيضًا،
الصين ليست حليفًا عسكريًا معلنًا للحوثيين، لكن بكين دخلت بالفعل في اتصالات مباشرة مع الحوثيين لضمان مرور ناقلاتها عبر البحر الأحمر، في الوقت الذي حصل فيه الحوثيون على مكونات صينية ضمن سلاسل تسليحهم،وبالتالي فإن دخول أمريكا عسكريًا في حرب مفتوحة مع الحوثيين قد يفتح لها مواجهة غير مباشرة مع شبكة أوسع من المصالح الإيرانية والصينية في المنطقة..وهذا بالضبط ما لا يبدو أن ترامب يريده الآن.
وماذا عن مصر؟ ..هنا تصبح تصريحات رشاد العليمي أكثر أهمية،
كونه لم يتحدث عن اليمن فقط ، لقد ذكر مصر بالاسم.
ولم يفعل ذلك في ملف سياسي عادي، وإنما تحدث عن الساحل اليمني وباب المندب وقناة السويس.
وهذا منطقي استراتيجيًا،فمصر ليست طرفًا في الحرب السعودية-الحوثية بالمعنى العسكري، لكنها الطرف الذي يدفع مباشرة ثمن أي اضطراب طويل الأمد في باب المندب والبحر الأحمر.
ولهذا كانت القاهرة حذرة في التعامل مع اتفاق مكة.
مصر لم توقع الاتفاق حتى الآن، ووزير الخارجية بدر عبد العاطي قال إن القاهرة تدرس الأمر بجدية، مع ضرورة دراسة الالتزامات في ضوء الدستور والقواعد القانونية المصرية،
وهذه ليست بالضرورة مسألة تردد.
قد تكون في جوهرها إدارة للمخاطر،
القاهرة تعرف أن توقيع اتفاق دفاع جماعي يعني أن أي أزمة مستقبلية قد تتحول إلى التزام عسكري، بينما السياسة المصرية التقليدية في الأزمات الإقليمية تقوم على الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من حرية القرار.
ولذلك ربما تكون الرسالة المصرية الأهم ليست في توقيع اتفاق جديد، وإنما في التأكيد على أن أمن باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس أمن مصري مباشر،والسعودية أمام اختبار مختلف، وأمام معضلة استراتيجية، إذا تدخلت بقوة، يمكن أن تتحول الحرب إلى استنزاف جديد،
وإذا لم تتدخل، فقد يواصل الحوثيون التقدم نحو أهم الممرات البحرية في المنطقة.
أما الولايات المتحدة، فتريد من السعودية أن تدافع عن نفسها وشركائها الإقليميين، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تصبح طرفًا مباشرًا في حرب يمنية طويلة،وهنا قد تتضح إحدى أهم نتائج حرب إيران.
واشنطن دخلت حربًا مع طهران، واكتشفت أن الحرب الإقليمية لا تفتح جبهة واحدة وإنما تفتح عدة جبهات في الوقت نفسه، ومن هنا يبدو منطقيًا أن ترفض الإدارة الأمريكية الانغراس في جبهة الحوثيين.
أما السعودية، فقد تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن صيغة أخرى: دفاع جوي، استخبارات، دعم لوجستي، تحالف بحري، وربما دعم أمريكي غير مباشر، دون أن تتحول الولايات المتحدة إلى طرف مقاتل بصورة رسمية.
وهذا يفسر أيضًا لماذا تحركت الرياض لتشكيل ترتيبات بحرية لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
القاهرة تقرأ الحرب من نهايتها.. لا من بدايتها ،وهنا تكمن أهمية الموقف المصري،هي لا تحتاج إلى انتظار تحول باب المندب إلى ساحة حرب شاملة حتى تدرك حجم الخطر.
فهي ترى أن الصراع في المنطقة لم يعد صراعًا منفصلًا بين إيران وإسرائيل أو إيران وأمريكا، وإنما سلسلة من الجبهات المتصلة: الخليج، هرمز، العراق، اليمن، البحر الأحمر، باب المندب، ثم قناة السويس،ولهذا تتحرك مصر ببطء، ولكنها لا تتحرك بالضرورة بلا رؤية.
وفي حسابات الدول، أحيانًا يكون عدم الدخول في الحرب قرارًا استراتيجيًا بقدر الدخول فيها.. والسؤال الآن ليس: هل تستطيع السعودية ضرب الحوثيين؟
بل: هل تستطيع الرياض أن تفعل ذلك دون أن تحول اليمن إلى حرب جديدة مفتوحة؟
والسؤال الأكبر: هل تستطيع واشنطن أن تغادر المنطقة وهي مطمئنة إلى أن حلفاءها قادرون على حماية أنفسهم، أم أن ما يحدث الآن يثبت العكس؟
ربما تكون المفارقة الأكبر أن السعودية التي أرادت إنشاء مظلة أمنية إقليمية مستقلة عن واشنطن، وجدت نفسها في أول اختبار كبير تعود إلى واشنطن وتطلب منها الضربة.
وفي المقابل، مصر التي لم تدخل اتفاق مكة حتى الآن، قد تكون تقرأ المشهد من زاوية أخرى تمامًا:
الحرب في اليمن ليست حربًا سعودية فقط، وباب المندب ليس قضية يمنية فقط، لكن أخطر قرار يمكن أن تتخذه دولة في هذه اللحظة هو أن تدخل حربًا جديدة دون أن تعرف أين ستنتهي.
وهنا تحديدًا يصبح موقف القاهرة، الذي يبدو للبعض بطيئًا، أقرب إلى سياسة محسوبة لتجنب الوقوع في حرب لا يملك أحد حتى الآن خريطة واضحة لنهايتها.
.










