مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب : كفران العشير

طبعًا إذا سألت غالبية من ينتمون إلى جيل الألفينيات عن هذا المصطلح (كفران العشير) لن يصل لمعناه بسهولة ، إما بسبب البعد عن اللغة العربية ومواردها ، أو لضعف بيّن في الثقافة الدينية ، أو لغياب مذموم لدور الأسرة والمؤسسات التربوية عن ساحة التربية بمعناها الأصيل .

للأسف الجميع متورط في المسئولية ، حيث تحول كلٌ في مقامه إلى ثور في ساقية ، تسوقه مجريات العصر وما يتصدر السوشيال ميديا من ترندات ماسخة تنتزع أبناءنا من بين أيدينا انتزاعًا صباح مساء .

لم يعد عند الآباء الوقت ولا الجهد للتربية ، الوجود في البيت أصبح مرتبطًا لديهم بالراحة فقط إذا كان رجلًا ، أما الأم فتدخل في ساقية أخرى من متطلبات منزلية لا يفكر الرجل -ولو حتى عرضًا – مشاركتها بها ، حفظًا لمهابته ورجولته كما تقول العادات والتقاليد ، أو حفظًا لمزاجه الشخصي تحت يافتة ( أنا راجع البيت عشان أريّح ، مش عاوز وشّ) ، وبالتالي لا وقت للأبناء .

كذلك لم يعد دور المؤسسات الدينية كما كان في السابق ، فقد تقلص دور الجامع الذي كان محلًا للصلاة والنصح والإرشاد وتحفيظ القرآن ، كما كانت قاعاته الاجتماعية منطلقًا لمبادرات تعليمية للحرف والمهارات ، التي تستثمر الوقت فيما يفيد وتدعم دور الأسرة في التربية وتساعدها في الحفاظ على عقول الأبناء .

وعندما قررنا إصلاح المحتوى الديني المقدم عبر وسائل الإعلام التقليدية ، قطعنا الجذور دون التفكير في تقليم الفروع وإزالة الضار منها ، حيث تم تقليص وقت جميع البرامج ذات المحتوى الديني دون تقييم لجودتها من عدمه ، ووقف التواصل الحي مع الجمهور وتحويله إلى آلية “اترك سؤالك وسنجيب عليه عندما تسنح الظروف” .

أما المؤسسات التربوية أو لنقل المدرسة ، فحدِّث ولا حرج ، حيث وقعت المؤسسات التعليمية في بلادنا بين سندان ومطرقة التغييرات المتطرفة، بدون مبرر أو بحجج واهية ، فقطاع التعليم الذي ينتمي إليه الملايين من المواطنين يخضع لرؤية شخص واحد ، يتغيّر فتتغير المنظومة كاملة ، حتى أصبحنا نصحو كل يوم على قرار جديد يضرب استقرار المنظومة التعليمية في مقتل ، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار توقيت القرار وآلية تنفيذه ، رغم أننا تعلمنا – عندما كان لدينا مؤسسات للتعليم- أن الحكم على نجاح منظومة ما أو فشلها يرتبط بجني الثمار واختبار مخرجاتها .

ألم أقل لكم الجميع يدور في ساقية ، وياليتها ساقية تفيض بالماء لتروي أجيالًا عطشى للقيم والثقافة والأخلاق النبيلة ، ولكنها ساقية من حديد صدأ ينخر في جسد المجتمع ويمزق أوصاله ، تاركًا وراءه أشباه بشر لا ينتمون ثقافيًا ولا اجتماعيًا إلى البلد التي تربوا على أرضها وشربوا من نيلها ، وهذا في رأيي أبرز صور كفران العشير في زماننا .

زر الذهاب إلى الأعلى