إيمان سعيد تكتب: ابنك لا يضيع فجأة… أنتم فقط تأخرتم في سماع جرس الإنذار

متى ستشعرون أن أبناءكم بدأوا يضيعون وأنتم ما زلتم منشغلين كلٌّ بعالمه؟ متى ستسمعون جرس الإنذار قبل أن يتحول الصمت إلى بُعد، والبُعد إلى اغتراب، والاغتراب إلى عالم كامل لا تعرفون عنه شيئًا؟
أحيانًا ينشغل الأب بمعركته، وتغرق الأم في أوجاعها، وكل واحد منهما يبدأ في البحث عن راحته، عن حياته، وعن الطريقة التي يحمّل بها الطرف الآخر المسؤولية. وفي وسط كل ذلك يوجد ابن لم يختر الخلاف، ولم يطلب الطلاق، ولم يكن طرفًا في أي معركة، لكنه يجد نفسه يدفع ثمنها يومًا بعد يوم.
ثم تأتي المصيبة، فيبدأ السؤال المعتاد: من السبب؟ الأب يشير إلى الأم، والأم تشير إلى الأب، وكل طرف يفتح دفتر أخطاء الآخر، وكأن المطلوب إثبات من المذنب، بينما الابن لا يحتاج إلى محكمة تبحث عن المتهم، بل يحتاج إلى أب وأم يستيقظان أخيرًا ليروا ما يحدث بداخله.
الله لم يجعل الأبوة والأمومة مسؤولية مؤقتة تنتهي بانتهاء الزواج. قد تنتهي العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن لا تنتهي أبوة الأب ولا أمومة الأم، ولا تسقط الأمانة لأن الخلافات أصبحت أكبر من قدرتكم على الاحتمال.
من حق كل واحد منكم أن يبحث عن راحته، وأن يبدأ حياته من جديد، لكن ليس من حق أحد أن يجعل الطفل يدفع فاتورة هذه الراحة. ليس من حقه أن يصبح رسولًا بينكما، أو شاهدًا على خلافاتكما، أو سلاحًا في معركة لم يخترها.
والطفل لا يقول دائمًا: «أنا أتألم». أحيانًا يقولها بطريقة أخرى؛ في صمته، في عصبيته، في تغير دراسته، في انسحابه من البيت، في تعلقه الزائد بالهاتف، في اختياراته التي لا تفهمونها، أو في أنه لم يعد يحكي لكم شيئًا كما كان يفعل من قبل. هذه ليست دائمًا مجرد مرحلة عابرة، وقد تكون في أحيان كثيرة جرس إنذار يستحق أن تتوقفوا أمامه.
لا تنتظروا حتى يصبح ابنكم غريبًا عنكم ثم تتساءلوا أين ذهب. قد يكون كان أمام أعينكم طوال الوقت، لكنكم كنتم منشغلين بمعرفة من المخطئ أكثر من انشغالكم بمعرفة ماذا يحدث له.
اصحوا لأبنائكم قبل أن تضطروا يومًا للبحث عنهم في أماكن لا تعرفونها، أو محاولة إصلاح سنوات من الألم بكلمة اعتذار جاءت متأخرة.
اجلسوا معهم. اسمعوهم دون أن تجعلوا كل حديث فرصة للهجوم على الطرف الآخر. طمئنوهم أن خلافكم ليس ذنبهم، وأنهم ليسوا مطالبين بالاختيار بين أبيهم وأمهم، وأن حبهم لأحدكما لا يعني خيانة الآخر.
تذكروا أن الطفل لا يحتاج والدين كاملين، لكنه يحتاج والدين حاضرين، يشعران به، ويحترمان احتياجاته، ويتعاونان عندما يتعلق الأمر بحياته ومستقبله.
وعندما تقع المشكلة، لا تضيعوا الوقت في سؤال: «مين السبب؟» اسألوا السؤال الأهم: «ابننا محتاج مننا إيه دلوقتي؟»
لأن الطلاق قد ينهي بيتًا واحدًا، لكنه لا يجب أن يهدم أمان طفل.
وأقسى ما يمكن أن يسمعه الأب والأم يومًا ليس أن ابنهما أخطأ، وإنما أن يكتشفا أنه كان يصرخ من الداخل، وكانت كل إشاراته تقول: «الحقوني»… بينما كان كل واحد منهما مشغولًا بإثبات أن الخطأ ليس خطأه.
ابنك لا يضيع فجأة… أنتم فقط قد تتأخرون في سماع جرس الإنذار.
فاسمعوه الآن… قبل أن يصبح إنقاذه أصعب من مجرد أن تمدوا له أيديكم وتقولوا: إحنا هنا..










