مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: أبوكِ .. ليس كل الرجال

أحيانًا لا تكبر البنت وهي ترفض الرجل، بل تكبر وهي تحمل داخلها صورة مرتبكة عنه. قد تبدو قوية ومستقلة، لكنها عندما يقترب منها رجل بنية صادقة، تستيقظ بداخلها أشياء قديمة لا علاقة لها به، وإنما بما رأته وهي طفلة في بيت كان من المفترض أن يكون أول مكان تتعلم فيه معنى الأمان.

كانت تسمع صوت أبيها وأمها وهما يتشاجران، ترى الغضب والقسوة والصمت الطويل، وربما دموع أمها وانكسارها، وأباها في لحظات لم تفهم أسبابها لكنها فهمت أثرها. فالطفل لا يحتاج أن يفهم تفاصيل الخلاف حتى يتأثر به؛ يكفي أن يرى العلاقة التي يفترض أن تكون مصدرًا للحب تتحول أمامه إلى صراع.

ومع الوقت، بدأت البنت تكوّن صورتها الأولى عن الرجل من خلال أبيها. أصبح في داخلها اعتقاد بأن الرجل قد يتغير، وأن الحب قد ينتهي بالأذى، وأن المرأة عندما تمنح قلبها ربما تدفع الثمن.

ثم كبرت، وجاء رجل جديد إلى حياتها. رجل لم يكن له ذنب فيما حدث داخل بيتها، لكنه وجد نفسه أمام آثار تلك التجربة. إذا تأخر، بدأت الأسئلة، وإذا اختلف معها، قارنت دون وعي، وإذا تغيرت نبرته، توقعت أن يظهر وجه آخر لا تعرفه.

هي لا ترى الرجل دائمًا كما هو، بل تراه أحيانًا من خلف صورة أبيها.

ولهذا قد ترفض شخصًا جيدًا، أو تضعه في اختبارات متكررة، أو تفسر بعض تصرفاته من خلال تجارب قديمة، ثم تقول: “كل الرجال واحد.”

لكنهم ليسوا كذلك.

أبوها كان أول رجل عرفته، لكنه لم يكن تعريف الرجل في الحياة. وما حدث بين أبيها وأمها كان تجربتهما هما، بأخطائهما وظروفهما، وليس مستقبلها المكتوب.

لذلك، عندما تكبر، تحتاج أن تفصل بين الماضي والحاضر، وأن تمنح الرجل الذي أمامها فرصة أن يكون نفسه. لا أن تثق بلا وعي، ولا أن ترفض بلا دليل، وإنما تنظر إلى أفعاله، واحترامه، وطريقته في الاختلاف، وصدقه، وقدرته على تحمل المسؤولية والاعتذار عندما يخطئ.

فالشفاء ليس أن تقول: “أنا لا أثق في أي رجل”، وليس أن تغلق قلبها حتى لا تتألم، وإنما أن تعرف كيف تضع حدودها دون أن تحمل كل رجل ذنب رجل آخر.

والأب والأم أيضًا عليهم أن يدركوا أن خلافاتهم لا تنتهي بانتهاء الشجار. قد ينسى الطفل الكلمات، لكنه قد يحمل أثرها سنوات طويلة، وقد يظهر ذلك لاحقًا في اختياراته وعلاقاته ونظرته إلى الزواج.

فالبنت التي كانت تقف خلف باب غرفتها تسمع شجار أبيها وأمها، قد تكبر يومًا وهي تطلب من كل رجل يدخل حياتها أن يثبت لها أنه ليس أباها.

وهنا تبدأ مسؤوليتها تجاه نفسها؛ أن تفهم أن طفولتها تفسر بعض ما بداخلها، لكنها لا يجب أن تختار عنها.

أبوكِ كان أول رجل في حياتك… لكنه ليس كل الرجال.

لا تجعلي الماضي يحاكم الحاضر، ولا تسمحي لصورة قديمة أن تمنعك من رؤية الإنسان الذي أمامك كما هو.

فربما يكون الرجل الذي تخشين أن يتكرر معه الماضي… هو أول رجل يمنحكِ حياة مختلفة تماماً..

زر الذهاب إلى الأعلى