مقالات الرأى

إميل أمين يكتب: بريكس نيودلهي وخريطة العالم الجديد

لم يكن تصويت الأمم المتحدة على خريطة جديدة لشكل العالم قبل أيام، هو التغير الوحيد الذي تجري مقاديره بقوة، في الطريق إلى نظام عالمي جديد، ذلك أن التكتلات الأممية الوليدة، لا سيما في الجانب الشرقي الآسيوي من العالم، تعمل جاهدة وبسرعة في هذا السياق .
تنطلق في نيودلهي اليوم قمة دول البريكس الثامنة عشرة، والتي تمثل مرحلة جديدة في مسيرة هذا التكتل الجغرافي والديموغرافي العالمي، حيث يمر على تأسيسه عقدان من الزمن .
شعار القمة ” البناء من أجل المرونة والإبتكار والتعاون والإستدامة”.والتي تمثل أولويات المجموعة خلال المرحلة المقبلة،لا سيما في ظل حاجة البريكس إلى دعم التعددية الأممية الحقيقية، والعمل من أجل حوكمة عالمية أكثر إعتدالا وإنصافا للمعذبين وأقنان الأرض، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي .
بعد عقدين من البدايات يتساءل المراقبون :” ما هي إنجازات هذا التجمع، وهل استطاع بالفعل أن يكون رقما صعبا في المعادلة الكونية المضطربة؟
من الواضح أن البريكس كتجمع نجحت في تطوير آلية شاملة للتعاون، تمتد من قمم قادة الدول الأعضاء، وصولا إلى مؤسسات مثل بنك التنمية الجديدة، بالإضافة إلى توسع التعاون الإقتصادي ليشمل مجالات الطاقة المتجددة والإبتكار التكنولوجي والتنمية المستدامة.
تعتبر الهند القمة أهم حدث متعدد الأطراف خلال هذا العام، وتسعى إلى تحقيق حضور قوي لقادة الدول الأعضاء والشركاء، وهو ما يتجلى في مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والعديد من زعماء الدول المشاركة.
ما الذي ستركز عليه قمة البريكس في دلهي اليوم وغدا؟
المؤكد تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء بشأن الأولويات المشتركة، وتبادل القادة وجهات النظر حول القضايا العالمية والإقليمية ذات الإهتمام المشترك.
خلال رئاستها لمجموعة البريكس، سعت الهند إلى تحقيق تجارة أكبر وأكثر توازنا بين الدول الأعضاء، وأدركت طرقا جديدة في تجارة الخدمات، وعززت من سلاسل تبادلات مرنة ، عطفا على تحسين فرص حصول الشركات الصغيرة على التمويل اللازم لزخم مشروعاتها.
بالنسبة للهند يتيح هذا التكتل فرصة للتفاعل مع الصين وروسيا، مع الحفاظ على شراكاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان واستراليا وغيرها من الدول، كما يمنح نيودلهي منصة لترسيخ مكانتها كصوت للإقتصادات النامية والناشئة .
تأتي قمة دلهي في وقت تواجه فيه البريكس تحدي تحقيق التوازن بين المصالح الجيوسياسية والإقتصادية المختلفة لإعضائه المؤسسين .
من هنا يتمثل التحدي الأكبرلهذه القمة في التوافق السياسي بشأن غرب آسيا، وعليه تبرز إشكالية توسيع أعضاء التكتل، ولا يغيب عن أعين المراقب أن هناك خلافات لوجستية وسياسية، بل وصلت في أوقات بعينها إلى الصدامات العسكرية بين الدول الأعضاء الحاليين، فما بالنا بالقادمين.
على سبيل المثال، لا الحصر، من بين الدول الطامحة للوصول إلى عضوية كاملة، باكستان وبنغلاديش، وهو ما لا تفضله الهند في الوقت الحالي لوجود خلافات عميقة، ولولا تدخل الرئيس ترمب قبل عام، لربما أنزلقت نيودلهي وإسلام أباد في حرب نووية مهلكة للزرع والضرع.
في هذا السياق تختلف الآراء، فالصين لطالما كانت من أشد المؤيدين لتوسيع مجموعة البريكس، وترى أن هذا التكتل الموسع وسيلة لزيادة الثقل الجماعي للإقتصادات الناشئة وتعزيز مكانة البريكس كمركز بديل للنفوذ العالمي.
روسيا من جهتها كذلك أيدت تمدد البريكس وإتساع دائرة عضويته وشراكاته، معتبرة أن التكتل يوفر لموسكو منصة مهمة لتعزيز العلاقات الإقتصادية والدبلوماسية خارج المعسكر الغربي التقليدي .
تضم مجموعة البريكس حاليا 11 عضوا كامل العضويةو 10 دول شريكة معترف بها رسميا، فيما أعربت أكثر من 30 دولة أخرى عن رغبتها في الإنضمام إلى المجموعة.
تبدو نيودلهي وكأنها راغبة في التوجه إلى الجنوب العالمي، بأكثر من رغبتها في إضفاء لونا آسيويا على المجموعة، حيث ترى في إفريقيا، فرصة للتنمية طويلة المدى.
قمة دلهي حدثا مهما ينبغي مراقبته بالتحقيق والتدقيق، حيث تبدو هذه أول زيارة للرئيس الصيني إلى الهند منذ سبع سنوات، ومؤشرا على إنفراجة في العلاقات بين بكين ونيودلهي بعد الإشتباك الجنوبي الدامي في جبال الهمالايا عام 2020 ، ومع ذلك يظل التنافس بينهما داخل أطر البريكس قائما وقادما.
ما الذي يجعل هذه القمة حدثا ناجحا ؟
الجواب مرتبط بثلاثة أمور :
** الخروج بإعلان مشترك يظهر قدرة بريكس في الحفاظ على تماسكها رغم الخلافات السياسية.
** أن تقدم القمة دعما سياسيا للمبادرات العملية التي طورت خلال العام.
** أن تعلي من صوت الجنوب العالمي، مع المطالبة بإصلاحات جوهرية في بنية المؤسسات العالمية الأممية.
قمة دلهي …هي حديث التحديات والفرص.

زر الذهاب إلى الأعلى