جمال رشدي يكتب: مربط فرس حل مشاكل مصر

عشرات الحكومات المتعاقبة، ومئات الوزراء والمسؤولين الذين تتابعوا على المنصة، وأنظمة سياسية متتابعة أخذت فرصتها كاملة؛ ومع ذلك تبدو النتيجة واحدة: الوطن ينتقل من سيئ إلى أسوأ، وكأننا ندور في حلقة مفرغة. الأزمة ليست في الوجوه التي نغيرها كل عام أو عامين، بل في إصرارنا التاريخي على معالجة الأعراض والمظاهر الخارجيّة وتجاهل الجذر الحقيقي للمرض. إن كل ما يُطرح من حلول جزئية وإصلاحات شكلية لا يعدو كونه حرثاً في المياه، وزيادةً في تكلس وانسداد شرايين الدولة.
مربط الفرس ومنبع كل مشكلات مصر يكمن في “العقل النمطي الموروث” الممتد منذ خمسينيات القرن الماضي؛ ذلك المنطق الذي يعتمد على حصر دائرة صنع القرار في نطاق «أهل الثقة» الملتفين دائماً حول كرسي الرئاسة. هذا النمط الذهني المغلق هو المسؤول الأول عن إنتاج سياسات قاصرة وعاجزة عن مواكبة التحولات العالمية، ومنه أيضاً تبدأ نقطة الانطلاق والحل الشامل إذا امتلكنا الشجاعة للتخلص منه.
إن الخروج من هذه الاختناقات يتطلب -وبأقصى سرعة- الخروج الكامل من عباءة هذا العقل الجمعي القديم، وتشكيل “دائرة صنع قرار” جديدة كلياً حول السيد رئيس الجمهورية، قوامها أبناء مصر في الخارج من أصحاب الكفاءات العلمية والعملية الرفيعة؛ عقول تمارس التفكير العصرى بعيداً عن بيروقراطية الماضي وتوازناته.
ولضمان نجاح هذه الدائرة، برزت الحاجة الماسة إلى استحداث موقع “نائب رئيس الجمهورية”، بشخصية تجمع بين دسامة الثقافة الوطنية ومرونة الفكر العالمي. ويقدم المستشار محمود فوزي (وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي السابق) الذي اري فيه ويري فيه الكثيرون نموذجاً استثنائياً لهذه المهمة؛ فهو رجل دولة يتمتع باتزان عالي، ومرونة سياسية، وقبول شعبي واسع، وحسن إدارة لملفات معقدة، فضلاً عن رؤية استراتيجية متسعة وحس قانوني ورصانة تنشئ جسور الثقة بين الدولة والمواطن.
إن إسناد قيادة ملفات الداخل إلى نائب الرئيس عبر هذه الدائرة المتخصصة سيضع حداً للاجتهادات العشوائية، لتكون المهمة المباشرة هي بناء مؤسسات رقمية حديثة تُدار بذكاء وحوكمة مطلقة وتنهي عصر المؤسسات المتهالكة، مع صياغة استراتيجية شاملة للتنمية حتى عام 2050 تكون بمثابة خارطة طريق ملزمة لجميع القطاعات ومؤسسات الدولة دون استثناء. يقع في قلب هذه الاستراتيجية إعادة بناء منظومة التعليم من جذورها ليكون عصرياً وقادراً على خلق أجيال تبتكر ولا تستظهر، إلى جانب وضع رؤية حاسمة للقضاء على الفساد بكافة أشكاله وتشابكاته الهيكلية والمؤسسية.
إن معركتنا الحقيقية ليست مع الأسماء، بل مع النمط الفكري الذي أدار الملفات لعقود؛ والبدء من العقول هو الخطوة الأولى لنقل مصر إلى المكانة التي تستحقها










