مقالات الرأى

أحمد فرغلي رضوان يكتب : فضفضة إعلامية ..أم تضميد للجراح ؟!

أعترف أنني من اليائسين تماماً من حال الإعلام المصري حاليا وخاصة مساحة الحرية الممنوحة له.
كنت من الذين كتبوا عدة مقالات رصدت خلالها حال الإعلام المصري وتحديدا بعد أحداث يناير 2011 وتحولاته الدرامية.
بدون شك دخل “نفق مظلم” بعد “الهزة” العنيفة والسقوط المروع أمام آلة الإعلام الخارجي الذي كان يصول ويجول في شوارع المحروسة يوجّه الرأي العام كيفما يشاء دون منافسة تذكر من الإعلام المحلي  وأصبح هو المصدر الأول للخبر أمام جميع المواطنين في بر مصر وذلك لعدة سنوات عقب عام 2011.
في المقابل ومنذ ذلك الحين والدولة المصرية تحاول جاهدة إفاقة الإعلام من الغيبوبة التي دخل إليها وكذلك إعادة صناعة إعلام جديد يكون ولاءه التام للدولة المصرية والجمهورية الجديدة إعلام لا يعرف “النقد” بدون مواربة إعلام أحادي الإتجاه وقد كان.
وزير الدولة للإعلام الزميل الكبير ضياء رشوان دعا مؤخرا ل “فضفضة” إعلامية وهي كلمة ذات معنى “حميمي” تدل على التقارب ودفء العلاقة بين المتحدثين ! وبالطيع هو قصد هذا المعنى في دعوته حتى يبتعد عن الطابع الرسمي مثل دعوة للحوار أو النقاش! ولكن هل تلك الفضفضة ستطمئن الجميع ويلبون النداء لأنهم سيتحدثون بدون قيود رسمية وبصراحة تامة ؟ هو المفترض من تلك الفضفضة المنتظرة.
قولا واحدا لا يمكن أن يتطور الإعلام وينهض ويحقق تطلعات المجتمع والوطن بدون وجود “حريات” حقيقية سقف حرية الرأي المسموح به هو من يحدد مستقبل الصحافة والإعلام والتطور الذي نحلم به جميعا.
الرئيس السيسي طلب مؤخرا “فتح المجال أمام حوار الإعلام “الموضوعي” الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، هل سيحدث ذلك ؟ وهل سيكون هناك مساحة كبيرة للرأي الأخر بالفعل ؟
بالمناسبة الرئيس سبق وانتقد أداء الاعلام المصري أكثر من مرة خلال السنوات الماضية ومن بين ما كتبت مقال عنوانه “الرئيس والإعلام..العتاب مستمر” حيث رأى أن هناك تقصير من وسائل الإعلام في تناول التحديات التي تواجهنا.
وكذلك من بين انتقادات الرئيس لوسائل الإعلام أذكر عام 2017 خلال جلسة حوارية في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ عندما قال “هناك دول فقدنا حميمية العلاقة السياسية معها نتيجة خروج أخبار من مصر تسيء للعلاقات معها “!
ومرة أخرى طالب الإعلام بالحديث ومصارحة المواطنين بمشكلاتنا الداخلية وقال ” اتكلموا ليه ما بتتكلموش وتقولوا للناس الحقيقة ، خير إن شاءلله”.
الحقيقة تقول الفجوة اتسعت كثيرا من “جراح” السنوات الماضية بين الإعلام والشعب نعم، بعد أن فقد مصداقيته تماما ، بداية فقد المصداقية كانت عندما شاهد عموم الشعب بعض الإعلاميين الذين يسيطرون على الشاشات يتلونون حسب الأنظمة المتعاقبة ، يتلونون حسب المصالح والأهواء الذاتية ، فقد مصداقيته عندما شاهدهم يتلاسنون ويكشفون أوراق بعضهم البعض على الملأ !
الجراح كبيرة وعميقة بين وسائل الإعلام والشعب وأعتقد وأنت قبل المنصب المرموق يا معالي الوزير صحفيا وباحثا صاحب خبرة وتعرف الشارع المصري جيدا ، الناس الآن تلجأ للسوشيال ميديا وهو ” إعلام موازي” لعرض مشاكلهم والاستغاثة بالمسؤولين بشكل يومي وذلك بعد أن كانوا يلجأون للصحف ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية ! هل يستطيع الإعلام النقليدي إعادة الثقة والمصداقية للشارع المصري ؟!
هل تتراجع الرقابة “الصارمة” المفروضة ويعود التنوع والتعدد ليحمل وجهات نظر الجميع في برامج التوك الشو “شبه الرسمية”!؟
بالتأكيد تقدم الإعلام ونجاحه هو مسؤولية مشتركة بين الدولة ووسائل الإعلام، من جانب الدولة يجب منح وسائل الإعلام الحرية ورفع سقف مناقشة القضايا والمشكلات العامة دون حرج أو قلق من المحاسبة ومن جانب وسائل الإعلام ضرورة التحلي بقدر كبير من المسؤولية عند مناقشة قضايا محلية أو إقليمية.
على المستوى الإقليمي والدولي تراجع تأثير الإعلام المصري بشكل لافت رغم الإنفاق الكبير على محطات إخبارية جديدة لم تحقق حتى التأثير المحلي واستمر اعتماد المواطنين على محطات الأخبار العربية كمصدر للخبر وذلك لأسباب مهنية منذ التأسيس يعلمها الكثيرين! وأكرر ما ذكرته سابقا كان من الافضل توجيه تلك الأموال لتطوير التليفزيون المصرى الرسمي وقنواته ، كذلك بات من الواضح اعتماد البرامج على محتوى ضعيف بحثا عن التريند أيا كان !! وأصبح المحتوى مكرر بين القنوات ! وكذلك الصحف وتراجعها الشديد حدث ولا حرج ” يكفي النظر لأرقام توزيع الصحف” اليومية ! وأصبحت تلك المؤسسات غارقة في مشكلات إقتصادية ولوجستية ضخمة ،الفضفضة ربما ستكشف كوارث مهنية.
في انتظار متابعة الفضفضة الضرورية والتي ربما تكون بداية جديدة! للإعلام المصري ربما.

زر الذهاب إلى الأعلى