جمال رشدي يكتب: طريق الحرير الصيني وحكم العالم من القاهرة

لم يكن طريق الحرير عبر التاريخ مجرد ممر تجاري تبحر فيه القوافل وتطوي الجمال المسافات، بل كان الشريان الأهم الذي ضخ الدماء في شرايين الحضارات الإنسانية، وصاغ مفهوم العولمة الأول قبل أن تعرف البشرية مصطلحات الاقتصاد الحديث. يعود تاريخ هذا الطريق القديم إلى أكثر من ألفي عام وتحديدا سنة 138 قبل الميلاد ، وتحديداً إلى عصر سلالة هان الصينية، حيث انطلقت المسارات البرية من قلب الصين عبر جبال التبت ودروب آسيا الوسطى، مروراً بفارس والشرق الأوسط، وصولاً إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. ولم تقتصر حركة هذا الشريان على الحرير الصيني الفاخر الذي انحنت له عروش الروم والبيزنطيين، بل تجاوزت ذلك لنقل التوابل الهندية، والورق، والبارود، والبورسلين، والذهب، والأفكار، والفلسفات، والعلوم. لقد جلب الطريق للصين ثروات هائلة ومكانة مركزية كقلب للعالم القديم، بينما منح العالم تبادلاً حضارياً واقتصادياً غير مسبوق جعل من الدول الواقعة على نقاط تقاطعه مراكز ثقل لا تُقهر.
وفي عام 2013، أعلنت الصين حديثاً عن تفعيل العمل بهذا المشروع التاريخي تحت مسمى “مبادرة الحزام والطريق”، لتبدأ رسم جغرافية جيوسياسية جديدة للعالم. انضمت إلى هذا المشروع الضخم أكثر من 150 دولة ومناطق شاسعة من مختلف القارات، عبر مسارات برية وبحرية حُددت بدقة فائقة. يتألف المسار البري “الحزام” من ستة كوريدورات اقتصادية تخترق آسيا الوسطى وروسيا للوصول إلى أوروبا، بالإضافة إلى مسارات تصل الصين بجنوب آسيا والمحيط الهندي عبر باكستان وإيران. أما المسار البحري “الطريق”، فيبدأ من الموانئ الصينية الجنوبية، مروراً بمضيق ملقا والمحيط الهندي، ليصل إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، حيث التاج والأهمية الجيواستراتيجية الكبرى في قناة السويس، ليُكمل طريقه نحو موانئ البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
إن قراءة الخريطة الجيوسياسية الحالية تكشف أن النزاعات الكبرى في السنوات الأخيرة لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت معارك شرسة على خطوط هذا الطريق. فالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم لم تكن مجرد نزاع إقليمي، بل كانت حركة شطرنج حاسمة لضمان موضع قدم روسي ناهض على البحر الأسود، حيث يمر أحد أهم مسارات طريق الحرير البرية والمائية نحو أوروبا، مما أمن لروسيا التحكم في خطوط الإمداد ونقاط الترانزيت الاقتصادية الحيوية أمام أي محاولات تطويق غربية.
وفي المقابل، خاضت الولايات المتحدة الأمريكية سباقاً محموماً لإشعال الأحداث والحروب في نقاط التمركز الأساسية لهذا الطريق، وكان أبرزها العدوان الأخير على غزة. لم تكن تلك الحرب سوى محاولة جيو-اقتصادية لتهجير أهل غزة وتفريغ المنطقة، بهدف حفر “قناة بن غوريون” لتكون بديلاً مائياً يربط البحر الأحمر بالمتوسط، وتحويل مدينة غزة إلى مدينة ذكية تقود التجارة العالمية لتمرير مشروع الممر الاقتصادي (الهند – الشرق الأوسط – أوروبا) الذي أعلنته واشنطن بالتعاون مع إسرائيل والإمارات والسعودية، لقطع الطريق تماماً أمام وصول خطوط طريق الحرير الصيني إلى قناة السويس والموانئ المصرية.
ولم تكن الحرب والضغوط المستمرة على إيران بعيدة عن هذا المخطط، إذ تُشكل إيران الحبل السري والعمود الفقري الذي يربط خطوط الطريق البرية بين آسيا الوسطى وقناة السويس. ولهذا، كان تدمير إقليم إيران أو محاصرتها هدفاً أمريكياً لإحداث فراغ يمنع السلسلة من الاكتمال. لكن الفشل الحاسم للعدوان على غزة، وصمود إيران، والصمود الجيوسياسي للجيش المصري ورفضه القاطع للانجرار إلى أي مستنقع خارجي أو تفريغ سيناء، جعل حلم وصول الطريق إلى مصر عبر قناة السويس وسواحل البحرين الأبيض والأحمر واقعاً أقرب من أي وقت مضى.
إن تفعيل طريق الحرير بكامل طاقته سيعزل الولايات المتحدة الأمريكية تدريجياً عن يابسة العالم (أوراسيا)، ويجعلها محصورة في حدودها الجغرافية بين المحيطين، بينما يلتحم العالم القديم والحديث في شبكة منافع لا مكان للقطب الواحد فيها. وسيكون وصول هذا الطريق واستقراره في مصر بمثابة الإعلان الرسمي والولادة الحقيقية لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، تكون عاصمته الاقتصادية والسياسية هي القاهرة. هذا التحول ليس مجرد أمنيات، بل تتوج بقرارات صينية استراتيجية لنقل صناعات ثقيلة ومهمة إلى مصر، لتتحول القاهرة بوجود طريق الحرير والقناة إلى التوكيل الصناعي والشريك الأول للين، والمركز المباشر للتسويق والبيع لكل دول العالم.
بالطبع، لن تقف أمريكا مكتوفة الأيدي أمام هذا التحول التاريخي، بل ستستمر في المقاومة الشديدة عبر الضغط على مصر اقتصادياً وعسكرياً، وفرض عقوبات متزايدة، بل قد يصل الأمر إلى صدام خشن مباشر، لأن ما تخوضه واشنطن ليس منافسة تجارية بل صراع وجود واستماتة للبقاء أمام التحالف الممتد بين الصين ومصر. وتأتي مجموعة “بريكس” لتشكل التكتل الاقتصادي والسياسي القوي الذي يمتلك هذا الطريق، ويمتلك أدوات أدائه المالي والتنموي لقيادة هذا العالم الجديد.
وهنا تتجلى الحكمة والاستراتيجية التي سارت عليها الدولة المصرية؛ فمنذ نحو 15 عاماً، أعدت مصر العدة لهذا الصراع الفاصل وجهزت نفسها للمواجهة الكبرى عبر بناء وتطوير جيش حديث وقوي، مدعوم ببنية تحتية عملاقة، وموانئ ولوجستيات عالمية، واستصلاح ملايين الأفدنة لضمان الأمن الغذائي. وهذا ما يجيب عن السؤال الذي طالما تردد على ألسنة البعض: “هل سنأكل أسلحة وطرقاً وكباري؟”.. نعم، كان كل ما حُفر وشُيد وتبنى خياراً استراتيجياً ليبقى الوطن شامخاً وقادراً على الصمود والانتصار في أكبر مواجهة جيوسياسية واقتصادية في تاريخه الحديث.










