عبد الله الثقافي البلنوري الهندي يكتب: مصر.. واحة المحبة النبوية ومهد المدائح المحمدية

تُعَدُّ مصر، أو «مِصرُ الكنانة»، من أكبر واحات المحبة النبوية، ومن البلاد التي ارتبطت عبر تاريخها الطويل بحب رسول الله ﷺ وتعظيم سيرته ومدحه. وما إن يطلّ موسم المولد النبوي الشريف حتى تتحول أرجاء البلاد إلى فضاء عامر بذكر المصطفى ﷺ، فتصدح المساجد والساحات والمجالس بمدائح النبي الكريم، وتتدفق كلمات المحبة والثناء كما يتدفق النهر في أرض الكنانة.
ومن أجمل ما يلفت النظر في المجالس النبوية المصرية ذلك الحضور المميز للعلماء والمفتين والمشايخ، الذين يتناولون السيرة النبوية والمدائح المحمدية بأسلوب أدبي رفيع، ولغة عربية عذبة، وأداء يجمع بين العلم والأدب والمحبة. فهم لا يكتفون بسرد أحداث السيرة، بل يستخرجون من صفحاتها المعاني الإيمانية والإنسانية، ويقدمونها بأسلوب حيّ يجعل المستمع كأنه يعيش مع أحداث السيرة لحظة بلحظة.
والأعجب من ذلك أن مجالس المدائح النبوية لا يقتصر حضورها على عامة الناس، بل يجلس فيها كبار العلماء والمفتون والمفكرون والمسؤولون والوزراء، يستمعون في أدب وتواضع إلى كلمات المحبة والثناء على رسول الله ﷺ. وفي ذلك مشهد بديع يعكس عمق المحبة النبوية في وجدان المجتمع المصري، ويؤكد أن العلم مهما بلغ بصاحبه من مكانة لا يحول بينه وبين الجلوس في مجالس الذكر والمحبة والتواضع لرسول الله ﷺ.
ومن أبرز ما يميز علماء مصر عن كثير من علماء العالم قدرتهم على الجمع بين أصالة التراث وجمال التعبير المعاصر؛ إذ يحافظون على صلة متينة بالموروث العلمي والأدبي، وفي الوقت نفسه يقدمون السيرة النبوية بلغة عربية حديثة، عذبة، مؤثرة، قريبة من القلوب، دون أن تفقد شيئًا من عمقها العلمي وروحها التراثية.
وقد أصبح عدد من العلماء والمشايخ حياتهم ومجالسهم منابر دائمة للمحبة النبوية، كما أسهم الصوفيون والعلماء والمفتون في ترسيخ هذا اللون من الثقافة الروحية والأدبية التي تجعل ذكر النبي ﷺ حاضرًا في حياة الناس ومناسباتهم ومجالسهم.
ومن المشاهد التي تستوقف القلب والعقل معًا ما نراه في بعض هذه المجالس من جلوس كبار المسؤولين والوزراء والعلماء جنبًا إلى جنب، في أدب وتواضع، يستمعون إلى المدائح النبوية وكأنهم جميعًا طلاب علم ومحبة في مجلس واحد. إنها صورة إنسانية وروحية قلّ أن تجد لها مثيلًا في مكان آخر.
ويبرز في هذا السياق الأداء المميز لمعالي الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف المصري، الذي يمتلك قدرة لافتة على تقديم المدائح والسيرة النبوية بأسلوب يجمع بين جمال العبارة وعمق المعنى وقوة التأثير. فعندما يتحدث عن رسول الله ﷺ، ينتقي كلماته بعناية، ويستخرج من كتب السيرة والمدائح كنوزًا ومعاني دقيقة، ثم يقدمها بأسلوب أدبي يأسر الأسماع ويستولي على القلوب.
وجدير با الإشارة أن كلمات فضيلة الشيخ الدكتور احمد طيب شيخ الأزهر كلمات ذهبية
وكأن كلماته حبات لؤلؤ ينتظم بعضها إلى بعض في عقد بديع؛ ينطق بها بهدوء، ويضع كل كلمة في موضعها، فتنساب معاني المحبة النبوية إلى القلوب، ويجد المستمع نفسه منصتًا بكل جوارحه، متأملًا في عظمة النبي ﷺ وجمال سيرته وكمال شخصيته.
وما يزيد المشهد جمالًا أن ترى إلى جانبه كبار العلماء والوزراء والشخصيات العامة وهم يستمعون في خشوع وأدب، فيتحول المجلس إلى لوحة تجمع العلم والمحبة والتواضع، وتؤكد أن محبة رسول الله ﷺ قادرة على أن تجمع القلوب مهما اختلفت مواقع أصحابها ومكانتهم.
إن المجالس المصرية للمدائح النبوية ليست مجرد مناسبات احتفالية عابرة، وإنما هي امتداد لتراث علمي وأدبي وروحي عريق، حافظت عليه مصر عبر أجيال متعاقبة. ففيها يلتقي العلم بالأدب، والتراث بالحاضر، والسيرة بالمحبة، ويتحول الكلام عن رسول الله ﷺ إلى تجربة وجدانية يعيشها الحاضرون بقلوبهم قبل أسماعهم.
ولعل هذا اللون الفريد من مجالس المحبة النبوية، بما يجتمع فيه من العلماء والمفتين والوزراء والمثقفين والعامة، وبما يحمله من جمال الأدب وعمق العلم وصدق المحبة، من المشاهد التي يصعب أن تجد لها نظيرًا بهذه الصورة في كثير من أنحاء العالم.
مصر بلد العلم والتراث، وبلد الأزهر العريق، وبلد المدارس العلمية والأدبية التي حفظت للأمة جانبًا كبيرًا من تراثها. وهي اليوم، كما كانت بالأمس، أرضٌ تحتضن العلم والأدب والمحبة النبوية.
فنسأل الله تعالى أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يحفظ علماءها ومؤسساتها العلمية، وأن يبارك في تراثها العلمي والأدبي، وأن تبقى أرض الكنانة منارةً للعلم، وواحةً للمحبة، وموطنًا عامرًا بذكر المصطفى ﷺ والصلاة والسلام عليه.
_عبد الله الثقافي البلنوري الهندي
_عميد كلية أصول الدين بجامعة مركز الهند










