مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: بيدي لا بيد عمرو

كثيرا ما نسمع هذا المثل العربي المتوارث ، بل ونردده عندما نُفسد بأيدينا ما يحاول إفسادَه الغير علينا من إنجازات ، والذي يأتي دوما كنوع من الانتقام من هذا الغير بتفويت الفرصة عليه للاستشفاء والشماتة من إضرارنا .

ورغم قدم قصة هذا المثل و جذوره البعيدة في التاريخ التي تعود إلى ملكة تدمر العراقية “الزباء بنت عمرو بن الأظرب”، وتناولها للسم لتنهي حياتها قبل أن ينهيها أحد الملوك المنافسين وهو عمرو بن عدي ، إلا أننا نجد صدى هذا المثل العربي كل يوم حولنا وفي حياتنا اليومية ، للدرجة التي دفعتني للتفكير بأنه لو سألت كل مصري عن موقف في حياته قد نضع هذا المثل عنوانًا له سيجد مواقفًا وليس موقفًا واحدًا.

لكن يجب هنا التوقف عند معنى المثل ، لأن الفاعل يكون على دراية كاملة بما هو مقدم عليه ولماذا يفعله ، فمثلا الملكة التدمرية كانت تعلم أن عمرو بن عدي سيقتلها لا محالة انتقامًا لعمه الذي قتلته عبر مكيدة سابقة ، أما الفاعل في هذا المقال فهو يدمر حياته دون معرفة أو لنقل بجهل بيّن بما يفعله .

فعندما يختار الواحد منا أن يعرض حياته الخاصة ودقائق بيته وعلاقته بأقرب الأقربين له على صفحات السوشيال ميديا فهو يدمر حصنه بيديه ، فالستر من أكبر نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان ، التي وضع اشتراطات حاسمة لحفظها وعدم انتهاكها ، مثلما قال على لسان نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ” من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته” ، وجرّم من يلوك سيرة أخيه ووصفه بآكل لحمه ميتًا ، ووضع جل وعلا حدًا قاسيًا لمن يتلسن بالتهم الشنيعة على السيدات ( المحصنات) ، والكثير من الحدود التي وضعها الدين الإسلامي لحفظ ستر الإنسان وحماية خصوصياته .

حتى خرج الإنسان من هذا الحصن غليظ الجدران تحت إغراء الترند و مجاراة التكنولوچيا الحديثة و الجهل الأعمى و جني الأموال ليفتح الكاميرات وينشر ما لا يُنشر على الملأ ، مدمرًا ليس أسرته فقط وإنما مجتمعًا بأكمله سيعتاد ما يرى ويجده أمرًا طبيعيًا لا إثم فيه ولا ذنب في تقليده .

واستشرى الوباء في العالم كله ، لنجد من ينتحر أمام عدسات الكاميرات على السوشيال ميديا ، ومن يضرب والديه ويعنف أهل بيته على المنصات ، وغير ذلك من مشاهد يعف القلم عن ذكرها في هذا المقال لأنكم بها أدرى . يقول البعض أن السوشيال ميديا هي المسيخ الدچال لهذا العصر ، وأنا أقول أن استخدامنا لها إن لم يكن بوعي وتحت مظلة تعاليم ديننا وما هو مقبول اجتماعيًا فقد أمسينا من أتباع المسيخ حتى قبل أن يظهر .

زر الذهاب إلى الأعلى