مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: وسائل التباعد الاجتماعي!!

للفنانة “نجاة الصغيرة” (11 أغسطس 1938م) أغنية من كلمات الشاعر الكبير “حسين السيد” (15 مارس 1916م _ 27 مارس 1983م)، وألحان موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب” ( 13 مارس 1898م أو 1902م _ 4 مايو 1991م )، تقول كلماتها: (القريب منك بعيد، والبعيد عنك قريب)!! ومن بين كلماتها أيضًا: (يا اللي أمرّ من بُعدك لقاك / يا اللي أمرّ من هجرك رضاك / يا غربتي وأنت بعيد عني، يا غربتي وأنت قريب مني)!!

تبدو الكلماتُ متناقضةً مُحيرة، لذا فقد تذكرتُها وأنا أتأمل ما أحدثته فينا (وسائل التواصل الاجتماعي) التي جعلتنا نبتعد عن بعضنا البعض، إنها قربت البعيد، لكنها أبعدت القريب وشغلتنا عنه، فأصبح البعيدُ حاضرًا، لكنك مشغولٌ عن الجالس بجوارك بشاشةٍ في يدِك!!

في العزاءات كان البعيدُ يتكبد عناءَ السفر لأن العزاءَ واجب، ولأنه يعلم أن وجودَه بجوار مَن فقدَ حبيبًا سيُحدِثُ الفارقَ في نفسيته وسيُسهم في تضميد جراحه، لكنك تسألنا الآن: هل قدّمتَ واجبَ العزاء في فلان؟! فيكون الرد: (عزيته على الفيس _ بعثتُ له رسالة على الواتس …. إلخ)!! كلنا يفعل ذلك، وكلنا يعلم أنه مقصر، وكلنا أصبح متأكدًا أن وسائل التواصل الاجتماعي أبعدتنا وقللت من التواصل الذي يُظهر حقائقَ الناس من خلال التعامل، بعيدًا عن تلك الوجوه التي تختفي خلف الشاشات وتجعلنا نشعر بمثالية الآخرين، وليست الحقيقةُ كذلك!! لقد أصبحنا متصلين بالشبكة، منفصلين على نفس الكنبة!!

المريض _ الذي تسمحُ حالتُه بالزيارة _ تُسهم الزيارةُ في استقراره النفسي ورفعِ معنوياته، وقد حرمناه من هذا الأمر، وحرمنا أنفسَنا ثوابَ زيارتِه وطلبَ الدعاءِ منه! يقول سيدُنا رسولُ الله _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _: “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ. وفي رواية: خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ”. (رواه البخاري ومسلم). والأحاديث النبوية في فضل هذا الأمر متعددة.

أثبتت وسائل التواصل أننا لا نتواصل، وقد أخبرني صديقي أن ابنه كتب لأخيه على الواتس: (عاوز أشرب، هات لي كوباية ميّة)!! ظن صديقي أن ابنه في حديقة المنزل، لكنه اكتشف أنه في غرفته!!

الأمر مُحيرٌ بالفعل حيرة (نجاة) في مشاعرها تجاه حبيبها، لكنه خطرٌ على الأسرة، إذ تَقِلُّ الحواراتُ المباشرة والمشاركاتُ اليومية، تزدادُ العزلة، ويعيشُ المرءُ منا في عالَمٍ رقمي، ما يجعل سُوءَ الفَهم سيدَ الموقفِ بيننا، ويجعل عدمَ الرضا قاسمًا مشتركًا في حياتنا؛ إذ نُصدق كذب الآخرين ومحاولاتِهم إظهارَ ما لا يعيشون!! لقد أصبحت التكنولوجيا منافسًا قويا لكل مُرَبٍّ في البيت والمدرسة!! وأصبحت المشكلاتُ الأسرية والتلميحاتُ عنها تطير حولنا في الفضاء الإلكتروني ما يُسهم في تعقيدها بدلًا من حلها!!

الوقت الذي هو مرادف للعُمر أي الحياة يُهْدَرُ ويضيع بلا طائل ولا فائدة، والخصوصيةُ تُنتهك، والحياةُ العائلية تصبح على المشاع، والضغط النفسي يزداد، والمراهقون يستقبلون ما يُعارض القِيمَ ويؤثرُ في السلوك!!

بيوتنا مليئةٌ بالأجساد، خاليةٌ من رُوح الحوار، لكنّ العيبَ فينا وليس في سِوانا!!

زر الذهاب إلى الأعلى