صفوت عباس يكتب: (القرويون.. ماذا فعلوا بأنفسهم يا حسن؟!)

مشهد توصيل دياب لمحمد أفندي ليستقل القطار من البندر من فيلم «الأرض» ليوسف شاهين (١٩٧١) يحمل عبرة كبيرة يُظهر المشهد كيف كانت القرية وكيف صارت. فيه أوسعت فتاتان قرويتان الطريق، وأدارتا ظهرهما، وجلستا حياءً من المارة. علق دياب بقوله: «نعم الأخلاق والتربية». ثم يظهر دياب في حالة توهان عقلي واشتهاء أمام منظر الطعمية الساخنة، فيعبر عن ذلك بقوله: «نفسي في الطعمية السخنة وعيش القمح». وما لبث أن ذاقها حتى قال: «ياما أنتوا ممتعين نفسكم يا أهل البندر».
في مقطع ريلز بثه محاور بارع على الميديا (عبد الناصر أبو بكر)، تناول حديثًا مع أحد أبناء القرية (حسن). وكان – كما قال – يعمل معلمًا، ويشع من حديثه الخلق والعلم. وقد نزح عن قريته ليعمل معلمًا بالعاصمه ، وبعد فترة طويلة آثر الرجوع ليكمل حياته بين أهله في قريته. قال الأستاذ حسن بأسى واضح عبارة: «ماذا فعلت بنفسك يا حسن؟». فسُئل: هل هذا لأنه رجع إلى قريته؟ فأجاب: نعم، فقد تبدل كل شيء، وتبددت القيم، وتلاشى الشغف بالعلم – مجال عمله – إلى الشغف بالمادة، واعتبار الناس أن إحراز المال والمادية هو هدف حياتهم.
النازحون من القرى منذ زمن بعيد، عندما يعودون تكون في ذاكرتهم فقط الصورة الجميلة التي كانت عليها مواطنهم عند النزوح الأول. وعندما يعودون لها يصابون بصدمة تبدل الأحوال.
المعلقون على مشهد فيلم «الأرض» يرون أن دياب، باشتهائه للطعمية، بدّل السعر بالقيمة. ففي ذلك الوقت كان متاحًا للقرية وحتى لبسطائها أنواع طعام أرخص وربما مجانية وأكثر قيمة من لبن وبيض ولحم طير. لكن القروي تاقت نفسه لشيء يشتريه ربما بنصف قرش وقتها ولا يُستبعد الإسقاط من نية صانع الفيلم ليصوّر بؤس الحياة في القرية.
من عاشوا في القرى قبل خمسين عامًا يتحسرون على ما كان وقتها، لكنهم لا يؤنبون أنفسهم مثل حسن؛ لأنهم لم يملكوا ترف النزوح، فبقوا ليشهدوا بحسره تبدل كل قيم الحب والتكافل والتواصل والاحترام والشهامة، إذ كان الكبير يُوقَّروالحكيم يُحترم، وتستتر المرأة عن الرجل حياءا وليس نقصا وكانت القرية تؤجل أفراحها إن أصاب فردًا منها مصاب في أهله، وكانت تفرح قاطبة دون استثناء لعرس أحد قاطنيها. كانت العائلات بمرجع يُقدَّس رأيه ويُحترم، وكلمة منه تُكفّ نزاع وتُعقد صلح. وكان الكبير يستمد موقعه من حكمه أهداها له عمره أو تعليمه أو عظيم دينه أو حتى ثرائه الرشيد.
في القرية قديمًا كان الحياء حاضرًا ومانعًا من العيب وصائنًا، وكان الأدب والخلق حصنًا من الخطأ، وكانت أواصر القربى والجوار والتكافل الروحي قبل المادي شاهدًا قويًا في حياة الناس.
مع مرور الزمن تبدلت الحياة إلى مادية طغت فوق كل معايير القرية القديمة الجميلة، وتلاشت روح الجماعة إلى فردية مقيتة لا تراعي أي حق، ظنًا بأنها الوسيلة لعيش أفضل، وتكريسًا لجهد الفرد لنفسه وليس لمحيطه.
في القرية القديمة كان الخبر إما لا يأتي أو يأتي بعد حين عبر جهاز راديو وحيد في القرية، أو صحيفة تقع بالصدفة بيد متعلم من أهلها. وكان الترفيه لا يتجاوز حفلة سمر أو قصة يرويها شاعر ربابة. ومع فوضى الانتشار الإعلامي وتدفق غير رشيد لميديا الهاتف، أصبح متاحًا غثًّا وعيبًا وحرامًا عبر الشاشة، فتشكّل وعي جديد مشوّش مثل المادة التي صنعته. وكانت القرية تأكل مما تنتج وتصدر فائضًا كثيرًا من خيرها، فتحولت إلى مستهلك نهم لكل ما يستهلكه البندر، فأضافت على نفسها عبئًا لا يطيقه ضيق ذات أيدي سكانها. وتحولت من رحابة القناعة إلى ضيق الاشتهاء، فضاقت معه أخلاقهم وقيمهم القديمة. مثلما تمنى دياب الطعمية قديمًا وأثنى عليها، استورد القروي الآن كل مظاهر حياة المدينة من طعام وأثاث ومظاهر، في مبالغة في نفقات الحياة والزواج وهي ما لا يستطيع إليها سبيلًا، فتحول إلى نهم مادي صنع أنانيته وعدم اكتراثه. عذر القرويين الوحيد أن الأرض قد ضاقت، ومع تعدد فروض الحياة لم تعد تكفي، فانصرفوا عنها وعدِموا خيرها.
لقد اشترى القرويون بسعر بخس ما ليس له قيمة، وضاعت معه كل قيمهم التي كانت تضمن لهم السلام النفسي والسكينة الروحية المستمدة من مجتمع القرية المتلاحم المترابط الودود المحترم.
لا بأس أن تتطور القرية وتواكب الجديد الجيد، لكن مع الحفاظ بشدة على روحها القديمة.
فعل القرويون بأنفسهم – وما ينسحب عليهم يجري على حارات المدن الكبيرة وكل المدن الصغيرة التي كانت بمثل قيم وأخلاق القرى – فعلوا، ولم يفعل حسن بنفسه. وإصلاح الأمر قد يحتاج إلى معجزة ليرجع الزمان.










