مقالات الرأى

إميل أمين يكتب: سؤال المناخ ومستقبل الحضارة البشرية

منذ فجر الحضارة وحتى تحديدا القرن الحادي والعشرين، أرتبط تاريخ الحضارة البشرية إرتباطا وثيقا بمسيرة المناخ، فقد كانت التحولات الطفيفة والتقلبات العنيفة لمناخ كوكب الأرض، عنصرا خفيا، وغالبا ما كان حاسما في مسارات الخليقة .
تخبرنا أضابير التاريخ أن المناخ الدافئ والمستقر خلال العصر الروماني، وفر الأساس الزراعي للإمبراطورية الرومانية، وكيف تزامن إنحدارها اللاحق مع تدهور المناخ.
سافر الفايكنج سكان الدول الإسكندنافية عبر البحار الخالية من الجليد خلال العصور الوسطى المشمسة، فيما جلب البرد القاسي الذي خيم على أوروبا في العصور الوسطى، المجاعة والأسواق المتجمدة، والإضطرابات الإجتماعية في عموم القارة .
أكثر من ذلك، لم يكن ليتم إكتشاف العالم الجديد في نصف الكرة الغربي، من غير تيقن الملاحون من وجود رياح عالمية هائلة مواتية، الأمر الذي رسم طرقا جديدة لإقتصاد عالمي حداثي زعزع أساسات الإمبراطوريات القديمة في أوروبا.
أطلقت الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر العنان لحالة من الطقس الجديد، تمثلت في الضباب الدخاني الخانق، ولاحقا الأمطار الحمضية التي إجتاحت القارة بأكملها، ما أدى إلى إتلاف الغابات، وتلويث المياه، وتآكل المباني والآثار .
يتفق علماء البيئة مع علماء الإجتماع على أن الطقس يلعب دورا رئيسا في قيام وسقوط الحضارات، من خلال ما يطلقون عليه لفظة ” التعقيد الإجتماعي”، أي التركيبة السكانية، في تقاطعاتها وتشارعاتها مع الحوكمة والإقتصاد، السياسة والأمن، الطاقة والزراعة، وكافة معالم وملامح الحياة المتكاملة، ومع إضمحلال هذا التعقيد، تنتهي فعلا حضارات إنسانية، وتنتقل البشرية إلى حالات أقل تطورا وتعود القهقرى إلى البدائية .
بلغت حضارة المايا ذروتها خلال العصر الكلاسيكي (250-950م)، وتجاوز عدد سكانها 13 مليون نسمة، في حين كان تعداد سكان وادي النيل 2.5 مليون نمة، و الإمبراطورية الرومانية 7 مليون نسمة.
قرب نهاية تلك الحضارة، بدأ الجفاف الطويل، وإرتفاع نسبة الرطوبة في الجو، وأصاب التصحر من جراء ندرة الأمطار ملايين الهكتارات، ما أحدث فجوة غذائية واسعة، أعقبتها هجرات قسرية بحثا عن الكلا والمرعي، وحيث بيئات أكثر إعتدالا مناخبا.
في كتابه المثير للإهتمام ” موجات الجفاف الكبرى لدى حضارة المايا”، يقدم عالم الآثار المستقل ” ريتشاردسون ب.جيل” حججا مقنعة مفادها أن نقص المياه كان عاملا رئيسيا في إنهيار الحضارة الكلاسيكية في أواخرها، ويستند في مؤلفه إلى كم هائل من المعلومات حول الطقس والمناخ اللذان خيما على سكان المايا .
هل اليوم شبيه بالأمس ؟
بالنظر إلى القارة الأوروبية، تبدو عدة أنهار رئيسية هناك متجهة نحو الجفاف، ما يعني أن أنساق الحياة المعاصرة، يمكن أن تشهد تغيرات سلبية عميقة .
يقول الراوي إن نهر الراين والدانوب قد بلغا أدنى مستوياتهما التاريخية، وهو إنخفاض ضار للطبيعة والإقتصاد ويهدد أيضا المياه الجوفية ومياه الشرب والنظم البيئية على ضفاف الأنهار .
الأمر لا يتوقف عند الحدود الجغرافية للقارة القديمة فحسب، ففي الولايات المتحدة الأميركية هناك أزمة حادة في نقص المياه، وإنخفاض مناسيب الأنهار الكبرى مثل المسيسيبي وكولورادو.
من أوروبا إلى أميركا السبب واضح وواحد، الجفاف الممتد بسبب إرتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، عطفا على ذوبان الأقطاب الجليدية، ما يرفع منسوب سطح البحر ودرجة حرارته.
أظهرت بيانات خدمة ” كوبرنيكوس” الأوروبية لرصد التغير المناخي أن درجات حرارة سطح البحر بلغت مستويات قياسية في شهر يوليو/ تموز المنصرم على سواحل المحيط الأطلسي والبحر المتوسط الغربي، فيما شهدت المياه الأوروبية موجات حر شديدة.
أما على المستوى العالمي، فسجل متوسط حرارة سطح البحر خارج المناطق القطبية الباردة أعلى مستوى له، متجاوزا الرقم السابق المسجل في عام 2023.
تتأثر الحياة البشرية، ودروب الحضارة المعاصرة بما يجري من تغيرات مناخية مؤلمة. خذ إليك على سبيل المثال رصد أكثر من عشرة آلاف حالة وفاة في القارة العجوز، وشبه غياب للأمطار في مناطق واسعة من غرب أوروبا، وحرائق أتت على نصف مليون هكتار من الغابات، وسط تلوث أعلى من المعتاد بسبب الدخان الكثيف.
تقص المياه في أوروبا أدى إلى أغلاق محطتين نوويتين في بولندا، والمحطة الوحيدة في المجر، مع ما يعنيه ذلك للصناعات من نقص في توليد الكهرباء.
تكبد مزارعو أوروبا حتى الساعة قرابة 220 مليار يورو من الخسائر والأمر مرشح للتفاقم .
“أمنا الارض ” غاضبة، لا سيما أن ما ينظر إليه اليوم على أنه طقس متطرف، قد يبدو معتدلا خلال عقود قليلة إذا لم تتخذ إجراءات التكيف اللازمة للإنسانية مع التغير المناخي، وحتى نتفادى سيناريو ” الضفدع المغلي “.

زر الذهاب إلى الأعلى