مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب: نبوءة ترامب لنهاية العالم من جبل رأس الفأس..هل تتحول حرب الشرق الأوسط إلى معركة هرمجدون؟

لم يعد الحديث عن البعد الديني في الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران مجرد قراءة نظرية أو محاولة لإسقاط الأساطير الدينية على أحداث سياسية وعسكرية متسارعة. فهناك كلمات قالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه، وأخرى تتردد داخل دوائر أمريكية وإسرائيلية، تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل يجري التعامل مع حرب الشرق الأوسط باعتبارها صراعًا جيوسياسيًا فقط، أم أن بعض دوائر القرار تنظر إليها أيضًا من زاوية دينية ونبوية؟

في أكتوبر 2024، وخلال حواره مع جو روغان، أطلق ترامب عبارة شديدة الدلالة، فقد قال إن الشرق الأوسط يتغير بسرعة، ثم أضاف أن هناك أنبياء يقولون إن العالم سينتهي في الشرق الأوسط، قبل أن ينتقل مباشرة إلى الحديث عن الأسلحة شديدة الخطورة والخطر النووي.

قد يبدو الكلام للوهلة الأولى مجرد حديث انتخابي أو استطرادًا دينيًا، لكن خطورته تظهر عندما نضعه في سياق ما حدث بعد ذلك.

فالشرق الأوسط الذي كان ترامب يتحدث عنه باعتباره مسرحًا لنهاية العالم، أصبح في عهده الثاني ساحة لحرب أمريكية مباشرة مع إيران.

والولايات المتحدة لم تعد تكتفي بالتهديد والردع، بل دخلت في عمليات عسكرية واسعة ضد المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية ،وهنا تظهر المفارقة الأخطر.

في 2024 كان ترامب يتحدث عن نبوءات نهاية العالم في الشرق الأوسط وعن الأسلحة التي وصفها بأنها شديدة الرعب.

وفي 2026 أصبح يتحدث عن ضرب أحد أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا: جبل رأس الفأس.

في 4 سبتمبر 2026، قال ترامب إن الولايات المتحدة قد تضرب الموقع «قريبًا جدًا»، والموقع، وفق التقارير، يقع بالقرب من منشأة نطنز النووية، ويضم مجمعين من الأنفاق المدفونة بعمق، ما يجعله واحدًا من أكثر المواقع حساسية في البرنامج النووي الإيراني.

لكن لماذا جبل رأس الفأس الآن؟
اختيار هذا الهدف تحديدًا ليس تفصيلًا عسكريًا عابرًا، بما يعني أنه إذا كان الهدف من العمليات الأمريكية هو منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية ، فإن الوصول إلى المنشآت العميقة تحت الأرض يمثل التحدي الأكبر أمام أي حملة جوية.
ولهذا فإن التهديد بضرب جبل رأس الفأس يعني أن واشنطن تبحث عن الوصول إلى القلب الأكثر تحصينًا من البنية النووية الإيرانية.
وهذا يرفع مستوى المخاطرة بصورة هائلة،فأي ضربة على منشأة نووية شديدة التحصين يمكن أن تفتح بابًا لسلسلة من الاحتمالات: رد إيراني، تصعيد إسرائيلي، استهداف قواعد أمريكية، تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ثم انتقال الصراع إلى مستوى يصعب التحكم في مساره.
*****
من السياسة إلى النبوءة:
المشكلة الحقيقية ليست في أن ترامب متدين أو يستخدم عبارات دينية ،وإنما المشكلة تبدأ عندما تدخل النبوءة الدينية إلى تفسير الحرب والسياسة الخارجية.
فقد ظهرت بالفعل خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران في 2026 تقارير تتحدث عن خطاب ديني لدى بعض الأوساط المؤيدة للحرب، وربط الصراع بمفاهيم مثل «نهاية الأزمنة» و«هرمجدون».

كما تناولت تقارير إعلامية ما قيل عن تقديم الحرب لبعض العسكريين الأمريكيين باعتبارها مرتبطة بنهاية الأزمنة الكتابية..وهنا تصبح كلمات ترامب في 2024 أكثر أهمية.

فهو لم يقل فقط إن الشرق الأوسط منطقة صراع، وإنما تحدث صراحة عن أنبياء يتنبؤون بأن نهاية العالم ستكون في الشرق الأوسط.

وبعد أقل من عامين، أصبح الشرق الأوسط نفسه مسرحًا لمواجهة عسكرية أمريكية ـ إيرانية، فيما تهدد واشنطن باستهداف منشآت نووية عميقة تحت الأرض.
******
إسرائيل.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها:
لا يمكن قراءة هذا المسار بعيدًا عن إسرائيل ،كون إسرائيل تتعامل مع البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا وجوديًا، بينما تتبنى قطاعات من اليمين الديني الإسرائيلي قراءات توراتية للصراع مع إيران والمنطقة.

وفي الولايات المتحدة، توجد منذ عقود قاعدة سياسية قوية من الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل، وبعضهم يربط مستقبل إسرائيل بنبوءات الكتاب المقدس وعودة المسيح ومعركة هرمجدون.

ولهذا فإن الخط الفاصل بين المصلحة الاستراتيجية والتفسير الديني للتاريخ يصبح في بعض الدوائر شديد الضبابية.

وهذا لا يعني أن كل قرار أمريكي يصدر من البيت الأبيض سببه الدين، ولا يعني أن ترامب أعلن حربًا نووية لتحقيق نبوءة دينية،لكن الخطير أن اللغة الدينية أصبحت حاضرة في البيئة السياسية التي تتحرك داخلها الحرب.
والسلاح النووي هو نقطة التحول
الأكثر إثارة للقلق أن ترامب جمع في حديثه مع روغان بين الشرق الأوسط ونبوءات نهاية العالم وبين الحديث عن الأسلحة شديدة الخطورة.

أما اليوم، فإن الصراع يدور فعليًا حول منشآت نووية إيرانية، وهذا يجعل السؤال مختلفًا:
إذا كانت الحرب تستهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فماذا يحدث إذا أصبحت المنشآت النووية نفسها أهدافًا عسكرية؟
وهل يمكن أن يؤدي تدمير منشآت شديدة التحصين إلى دفع إيران إلى اتخاذ قرار أسرع بالذهاب نحو السلاح النووي، إذا بقيت لديها القدرة على ذلك؟
هنا يمكن أن تبدأ الحلقة الأخطر: حرب لمنع السلاح النووي قد تنتج دافعًا أكبر للحصول عليه ،وتصبح
هرمجدون هي المصطلح الذي يجب ألا يتحول إلى استراتيجية

لكن الخطورة ليست في وجود معتقدات دينية لدى السياسيين،وانما
الخطورة الحقيقية تبدأ عندما تتحول النبوءة إلى عدسة لصناعة القرار، لأن السياسة يمكن مراجعتها، والاتفاقات يمكن تعديلها، والتهديدات يمكن احتواؤها.

أما عندما يصبح الصراع جزءًا من تصور ديني عن «النهاية»، فإن التسوية قد تبدو لبعض المؤمنين بهذا التصور وكأنها تعطيل مسار تاريخي أو ديني أكبر.

ومن هنا تأتي أهمية التدقيق في الخطاب الصادر عن واشنطن وتل أبيب، لا بهدف اتهام الجميع بأنهم يخوضون حربًا دينية، وإنما لمعرفة إلى أي مدى أصبح الخطاب النبوي مؤثرًا في البيئة التي تصنع القرار.
*****
من نبوءة ترامب إلى جبل رأس الفأس:
قد يكون من الخطأ أن نقول إن ترامب كان في 2024 يعلن مسبقًا ما سيحدث في 2026 ،لأنه لا يوجد دليل يثبت ذلك، لكن هناك واقعة لا يمكن تجاهلها:
رئيس أميركي قال إن هناك أنبياء يتنبؤون بنهاية العالم في الشرق الأوسط، وتحدث في السياق نفسه عن الأسلحة المرعبة والنووية؛ وبعد عامين أصبحت إدارته تخوض حربًا مباشرة مع إيران، وتهدد بضرب موقع نووي إيراني بالغ التحصين.

هذه ليست نبوءة..لكنها مفارقة سياسية واستراتيجية شديدة الخطورة،فإذا كان الشرق الأوسط هو بالفعل المنطقة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية والخليجية، فإنه أيضًا المنطقة التي تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الدين والنبوءة والهوية.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس فقط:هل سيضرب ترامب جبل رأس الفأس؟ بل:
إلى أين يمكن أن تقود حرب تُدار في منطقة يعتبرها بعض اللاعبين مركزًا لصراع ديني وتاريخي، بينما تمتلك الأطراف المتصارعة أسلحة قادرة على تحويل الخطأ العسكري إلى كارثة إقليمية، وربما نووية؟

وهنا تحديدًا تكمن أخطر نقطة في المشهد..فجبل رأس الفأس ليس مجرد جبل، إنه اختبار لحدود التصعيد الأمريكي،وإيران ليست مجرد خصم عسكري،وإسرائيل ليست مجرد حليف، والشرق الأوسط ليس مجرد مسرح حرب.

إنه المكان الذي قال ترامب نفسه، قبل سنوات، إن بعض الأنبياء تنبأوا بأن نهاية العالم ستكون فيه..والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نحن أمام حرب جيوسياسية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، أم أمام صراع تتداخل فيه السياسة بالدين والنبوءة إلى درجة تجعل الشرق الأوسط أخطر مكان في العالم؟

زر الذهاب إلى الأعلى