صفوت عباس يكتب: (من العمل إلى الحياة.. العيش تحت الضغط)

العمل تحت الضغط مصطلح شهير في بيئة الأعمال وعلوم الإدارة، وأصبح عبارة دائمة في إعلانات التوظيف والسير الذاتية، خاصة في وظائف المسؤولين والإدارة الوسطى، وبالذات في المجالات التي تشهد تنافسًا شرسًا بين مقدمي خدمات متشابهة، يتنافسون على السبق والسعر والجودة.
يشتد الضغط عندما تكون الأعمال متعددة المقدمين لمكونات انتاجها، لأن أي تأخير أو تهاون من أحدهم يؤدي إلى ضغط يعيق المنظومة بأكملها، ويتراكم على القائمين عليها، مشكلاً عبئًا نفسيًا خوفًا من الخسارة المادية أو فقدان المركز السوقي.
يقدم المختصون في الإدارة حلولاً نظرية تتراوح بين التحفيز الذاتي وتجاوز المعوقات السلبية، والقفز فوق الضغوط التي يسببها العمل. لكنهم يظنون أن هذه الحلول ترمم العطب الذي يسببه الضغط على شعور ونفسية من يعيش تحته. وربما يظل الأمر قيد الإطار الأكاديمي الذي لا يطبب جروح الإخفاق، خاصة أن حاضنة الأعمال أصبحت إما خاصة بالمدير المنضغط، أو في بيئة عمل لا تتقبل الضغط، فيخسر الموظف وظيفته.
وفي زمن أصبح فيه الناس كالآلات، أو يعيشون تحت ضغط السعي الدؤوب لمواجهة متطلبات حياتهم الخاصة وأسرهم — والتي تعاظمت بشكل كبير عما سبق — استحدثت متطلبات إنفاق جديدة كثيرة ومكلفة، لا تترك مجالاً للسعة أو الراحة. فما آلت إليه الحياة لا يوفر لهم أي حيز للتنفس، وهنا يقع ضغط العيش.
غياب المعاني الإنسانية وقيم التعاون، وتحول الناس إلى راكضين في مضمار مزدحم بالمنافسة لا يحقق تعاونًا ولا دعمًا ولا إيثارًا، مع تعاظم المطلوب توفيره وتحقيقه، وعدم قبول أي عذر للتقصير من قبل المستفيدين من كد العائل أو المكلف بالإعالة — كل ذلك يجعل العيش تحت الضغط يولّد انهيارًا نفسيًا لمن يقع عليه هذا الضغط.
هذا في حالة الغالبية، أما من لديهم وفرة فيقعون تحت ضغط إنجاز جديد يضمن لهم السبق، أو على الأقل الحفاظ على المركز، لأن التقهقر عنه ولو قليلاً يُعتبر فشلاً.
في عالم بلا قلب لا يراعي الإمكانات البشرية وحدود قدرتها على الإنجاز، وفي زمن تزعزع فيه اليقين بأن التوفيق بيد الله، يبقى العيش تحت الضغط واقعًا لا ينجو منه إلا من رزقه الله بلطف وغمره بالإيمان.










