مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب: رسالة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء بشأن صندوق التنمية الحضرية

في الجمهورية الجديدة التي تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخها عبر مشروعات قومية عملاقة ورؤية عمرانية حديثة، يظل المواطن البسيط هو حجر الأساس الحقيقي لأي نجاح، وتظل ثقته في مؤسسات الدولة هي رأس المال الأهم الذي يجب الحفاظ عليه.
لكن المؤلم أن بعض الممارسات الإدارية داخل عدد من المؤسسات قد تهدم في لحظات ما تبنيه الدولة في سنوات، ليس بسبب ضعف المشروعات، وإنما بسبب البيروقراطية القاسية، وغياب المرونة، وانعدام التواصل الإنساني مع المواطن.
وأكتب اليوم هذه السطور ليس فقط دفاعًا عن حقي الشخصي، بل دفاعًا عن حق آلاف المواطنين الذين قد يمرون بنفس التجربة دون أن يجدوا من يسمعهم.
في أغسطس 2024 تابعت افتتاح المرحلة الثالثة من مشروع “دارة” بمحافظة المنيا، التابع لصندوق التنمية الحضرية، وهو المشروع الذي جرى الترويج له بصورة جعلت المواطنين يعتقدون أنه تابع للقوات المسلحة، خاصة أن القوات المسلحة أشرفت على تنفيذ الإنشاءات.
وهنا يجب التوقف أمام نقطة شديدة الخطورة، وهي أن اسم القوات المسلحة المصرية لدى المواطن يمثل قيمة وطنية عظيمة وضمانة ثقة لا حدود لها، ولذلك اندفع الكثيرون نحو المشروع مطمئنين، معتبرين أن التعامل سيكون على أعلى درجات الانضباط والعدالة والشفافية.
ذهبت إلى المشروع بمحافظة المنيا، وكانت الأسعار مرتفعة بصورة كبيرة، حيث بلغت قيمة الوحدة نحو مليونين وسبعمائة ألف جنيه بخلاف وديعة الصيانة، مع دفع مقدم 15% وتقسيط الباقي على خمس سنوات.
ورغم ارتفاع الأسعار، قبل المواطنون بالأمر بسبب الثقة فيما تم تسويقه عن المشروع.
لكن الصدمة الحقيقية ظهرت لاحقًا.
فمن غير المنطقي أن يُطلب من المواطن دفع مقدم الحجز أولًا، ثم الاطلاع على العقد بعد ذلك، بينما القاعدة الطبيعية في أي تعاقد محترم هي أن يطّلع المشتري على جميع البنود قبل دفع أي أموال.
وعندما تسلمت العقد لاحقًا فوجئت بأنه مليء ببنود مجحفة تصب بالكامل تقريبًا في مصلحة الصندوق، بينما يغيب أي توازن حقيقي يحفظ حق المواطن.
فالعقد يفرض خصومات وغرامات وتأمينات مرهقة على المشتري، بينما لا يتضمن أي ضمانات إنسانية تحمي المواطن إذا تعرض لظروف قهرية مثل الوفاة أو العجز أو فقدان مصدر الدخل.
كما يتضمن بندًا يمنح الصندوق حق خصم 7% من قيمة الوحدة عند التنازل، بغض النظر عن توقيت التنازل أو أسبابه أو حجم الضرر الواقع على المواطن.
ورغم ذلك، التزمت بالسداد المنتظم احترامًا للتعاقد.
لكن بعد انتهاء عملي بالخارج في سبتمبر 2025، أصبحت غير قادر على الاستمرار، واضطررت للتفكير في التنازل عن الوحدة.
وهنا بدأت رحلة أخرى أكثر قسوة.
فلا توجد أي منظومة إلكترونية حقيقية تتيح للمواطن إنهاء إجراءاته من محافظته، ولا توجد مكاتب فعالة داخل المشروعات بالمحافظات، وكأن المواطن المصري لا بد أن يسافر إلى القاهرة في كل خطوة مهما كانت بسيطة.
سافرت من المنيا إلى مقر الصندوق بالقاهرة، وهناك اصطدمت بأسلوب إداري جاف، وتعامل يفتقر إلى الاحترافية، وشح شديد في المعلومات، ثم طُلب مني دفع ألف جنيه رسوم تقديم طلب تنازل.
وبعد إنهاء الإجراءات، تراجع الشخص الذي كان سيستلم الوحدة، وعندما طلبت إلغاء الطلب قوبلت بالرفض لأن “الرسوم لا تُرد”.
ثم كررت المحاولة مرة أخرى مع شخص آخر، وسافرت مجددًا من المنيا إلى القاهرة، ودُفعت ألف جنيه جديدة، ثم تراجع الشخص الثاني أيضًا.
وأمام هذا الوضع، لم أجد سوى خيار التنازل عن الوحدة لصالح صندوق التنمية الحضرية نفسه، رغم خصم ما يقرب من 200 ألف جنيه قيمة نسبة الـ7%.
وفي 6 أبريل 2026 أنهيت إجراءات التنازل رسميًا، وطُلب مني متابعة الإدارة المالية عبر تطبيق “واتساب”، وهي الوسيلة الوحيدة المتاحة للتواصل.
ومنذ أكثر من 35 يومًا وأنا أرسل الرسائل وأتابع دون أي رد أو توضيح أو تحديد موعد لاسترداد مستحقاتي.
وهنا أطرح سؤالًا مشروعًا:
كيف لمؤسسة تدير مليارات الجنيهات ومشروعات قومية بهذا الحجم أن تعتمد على “رسائل واتساب” كوسيلة وحيدة للتواصل المالي مع المواطنين؟
وأين التحول الرقمي الذي تتحدث عنه الدولة؟
وأين احترام وقت المواطن وكرامته؟
إن القضية هنا لم تعد مجرد وحدة سكنية أو مستحقات مالية، بل أصبحت نموذجًا مؤلمًا للصدام بين المواطن والبيروقراطية.
كما أن استمرار التسويق غير المباشر للمشروع باعتباره تابعًا للقوات المسلحة يضع اسم القوات المسلحة المصرية في دائرة استغلال الثقة الشعبية، وهو أمر يجب مراجعته بدقة، لأن المؤسسة العسكرية المصرية أكبر وأقدس من أن تُستخدم كوسيلة تسويقية لمشروعات مدنية تُدار بعقلية بيروقراطية جامدة.
ومن هنا، أطالب الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بالتدخل العاجل لإنصافي واسترداد مستحقاتي المالية، خاصة بعد مرور أكثر من شهر دون أي رد واضح من صندوق التنمية الحضرية.
كما أطالب بما يلي:
مراجعة جميع عقود مشروعات الصندوق بما يحقق توازنًا عادلًا بين حقوق الدولة وحقوق المواطن.
إنشاء منظومة رقمية حقيقية لإنهاء الإجراءات من المحافظات دون إرهاق المواطنين بالسفر.
إعادة تأهيل منظومة خدمة العملاء والتعامل الإنساني داخل الصندوق.
وضع مدد زمنية ملزمة للرد على طلبات المواطنين وصرف مستحقاتهم.
مراجعة الرسوم المتكررة التي تُفرض على المواطنين دون وجود خدمة فعلية مقابلة لها.
فالدولة المصرية تبني مدنًا جديدة عظيمة، لكن بناء الإنسان وثقته يظل هو المشروع الأهم والأخطر.
والمواطن المصري لم يعد يطلب المستحيل… بل يطلب فقط العدالة والاحترام وحقه المشروع.

زر الذهاب إلى الأعلى