السيد خلاف يكتب : قمة بكين واشنطن.. صفقة فوق أنقاض الشرق الأوسط؟

لم تكن القمة الصينية الأمريكية في بكين قمة عادية ، وانما واحدة من أخطر القمم السياسية في السنوات الأخيرة؛كما لم يكن لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني هو شي جين بينغ ..مجرد اجتماع دبلوماسي عابر، بل بدا وكأنه جلسة إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي، ومحاولة لمنع انفجار النظام الدولي بالكامل.
ورغم أن البيانات الرسمية تحدثت عن “الاستقرار” و”إدارة الخلافات”، فإن ما تسرب من خلف الكواليس يكشف أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة عنوانها:
“التعايش القلق بين الإمبراطوريتين”
والعالم اليوم لا يشبه ما قبل الحرب.
الحقيقة الثابتة أن واشنطن ذهبت إلى هذه القمة وهيوتدرك جيدًا أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران لم تُنتج حتى الآن انتصارًا حاسمًا، بل خلقت بيئة دولية شديدة الاضطراب:
-أسعار الطاقة تهدد الاقتصاد العالمي.
الملاحة في الخليج والبحر الأحمر باتت تحت الخطر.
-الأسواق الأمريكية تواجه ضغوطًا هائلة.
-النفوذ الأمريكي بدأ يتآكل أمام صعود قوى دولية جديدة.
-وفي قلب هذه الفوضى، ظهرت الصين باعتبارها اللاعب الوحيد القادر على مخاطبة جميع الأطراف في وقت واحد:
شريك اقتصادي لواشنطن.
حليف استراتيجي لطهران.
منافس جيوسياسي للغرب.
وضامن رئيسي لاستقرار سلاسل الإمداد بالطاقة.
ولهذا لم تذهب واشنطن إلى بكين من موقع القوة المطلقة، بل من موقع الباحث عن “إدارة الخسائر”.
إن أخطر ما دار خلف الأبواب المغلقة
التقارير الغربية تتحدث عن صفقة غير معلنة تقوم على معادلة شديدة التعقيد:“تهدئة الجبهة الصينية مقابل ضبط إيقاع الشرق الأوسط”.
وبمعنى أوضح: واشنطن تريد من بكين استخدام نفوذها على إيران لمنع انفجار شامل في الخليج، ومنع طهران من الذهاب إلى إغلاق مضيق هرمز أو توسيع الحرب إقليميًا.
وفي المقابل، تبدو الصين وكأنها تطالب بثمن استراتيجي ضخم:
-تخفيف الحرب التجارية.
-تقليل القيود على التكنولوجيا الصينية.
-تهدئة ملف تايوان.
-والاعتراف العملي بالصعود الصيني كشريك مكافئ للولايات المتحدة.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة القمة،لأن ما يحدث ليس تفاوضًا حول أزمة عابرة، بل تفاوض حول شكل العالم القادم، وكانت تايوان حاضرة كقنبلة فوق الطاولة.
وأخطر الرسائل التي خرجت من القمة كانت التحذير الصيني المباشر بشأن تايوان، فقد أبلغ الرئيس الصيني ترامب بوضوح أن أي “سوء إدارة” للملف قد يقود إلى “صدامات ونزاعات”.
مؤكد أن هذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية ، وانما رسالة ردع صينيه استراتيجية تعني أن بكين تعتبر لحظة الاضطراب الأمريكي الحالية فرصة لمنع واشنطن من استخدام تايوان كورقة ضغط مستقبلاً.
واللافت أن ترامب تعامل بحذر غير معتاد، ما يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن فتح مواجهة متزامنة مع الصين وإيران قد يكون كارثيًا على واشنطن اقتصاديًا وعسكريًا.
بما يعني أن الحرب على إيران غيّرت ميزان التفاوض ،فقد كانت الولايات المتحدة، قبل سنوات،تدخل أي قمة مع الصين باعتبارها القوة الأعظم بلا منازع.
أما الآن، فالوضع مختلف: واشنطن غارقة في استنزاف عسكري واقتصادي ،والصين تتوسع اقتصاديًا وتكنولوجيًا ،كما عادت روسيا إلى قلب المعادلة الدولية،والشرق الأوسط يتحول إلى ساحة إعادة توزيع نفوذ عالمي.
ولهذا تحاول إدارة ترامب تجنب انهيار شامل عبر سياسة: “إطفاء الحرائق الكبرى مؤقتًا”، لكن المشكلة أن الصين تدرك تمامًا حجم المأزق الأمريكي،وتحاول استثماره للحصول على مكاسب استراتيجية طويلة المدى.
وكان الشرق الأوسط حاضرا في قلب الصفقة، وبعكس ما يعتقد كثيرون، فإن قمة بكين لم تكن قمة آسيوية فقط، بل كانت قمة شرق أوسطية بامتياز.
لأن: النفط الخليجي يحدد استقرار الاقتصاد العالمي، وإيران أصبحت عقدة التوازن الدولي، والممرات البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر باتت جزءًا من الأمن القومي الصيني والأمريكي معًا.
وهنا يظهر السؤال الأخطر:هل تحاول واشنطن فتح قناة تفاهم غير مباشرة مع طهران عبر الصين؟
المؤشرات تقول نعم..فالصين تمتلك اليوم ما لا تملكه أوروبا: نفوذًا اقتصاديًا داخل إيران،و علاقات مستقرة مع الخليج،وقدرة على لعب دور الوسيط الهادئ.
ولهذا تبدو بكين وكأنها تتحول تدريجيًا من “مصنع العالم” إلى “عرّاب التوازنات الدولية”.
وهنا نطرح التساؤل :هل بدأت نهاية الهيمنة الأمريكية التقليدية؟
ربما هذا هو السؤال الحقيقي خلف القمة.. فقد كشف اللقاء بوضوح أن العالم لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد سقوط الاتحاد السوفيتي..بل إن المشهد الحالي يشير إلى:
-صعود نظام متعدد الأقطاب.
-تراجع القدرة الأمريكية على فرض الإرادة منفردة.
-انتقال الصراعات من الحروب العسكرية المباشرة إلى حروب الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية.
ومن هنا يمكن فهم الهدوء النسبي الذي خرجت به القمة: ليس لأنه توجد ثقة متبادلة.. بل لأن الطرفين يدركان أن الانفجار الآن قد يحرق العالم كله.
اخيرا نقول إن قمة بكين لم تكن مجرد لقاء بين رئيسين، بل كانت محاولة عاجلة لإدارة أخطر لحظة اضطراب يشهدها العالم منذ سنوات.
واشنطن جاءت تبحث عن:
-تهدئة تمنع الانهيار.
-وضبط إيقاع الحرب مع إيران.
-وشراء الوقت سياسيًا واقتصاديًا.
أما الصين فجاءت لتقول: “العالم تغير..ولم تعد أمريكا وحدها من يقرر مصيره”
ولهذا قد يتذكر التاريخ هذه القمة باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها المساومات الكبرى على خرائط النفوذ العالمي فوق ركام الشرق الأوسط المشتعل..فهل هناك وجود للشرق الأوسط في خريطة النفوذ والنظام الدولي الجديد الذي بدأ يتشكل أمام دول عربية وخليجية تعول على اسرائيل وأمريكا في خريطة الوجود ؟!.










