مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب: مصطفى بكري.. سبعون عامًا من الحضور الوطني والكلمة التي لم تنحنِ

في زمنٍ تبدلت فيه الوجوه والمواقف، وبقيت فيه قلة قليلة فقط محافظة على حضورها وتأثيرها وبريقها، يظل اسم مصطفى بكري واحدًا من أكثر الأسماء رسوخًا في الوعي السياسي والإعلامي المصري والعربي؛ رجل لم يكن مجرد إعلامي أو برلماني أو صحفي، بل حالة وطنية خاصة صنعتها الموهبة، وصقلتها المعارك، ورسختها سنوات طويلة من الاشتباك مع قضايا الوطن والناس.
وفي السادس عشر من مايو 2026، يُتم الكاتب الصحفي والإعلامي الكبير مصطفى بكري سبعين عامًا، قضاها بين ساحات الصحافة، واستوديوهات الإعلام، وتحت قبة البرلمان، وفي قلب المعارك الوطنية، حاضرًا بصوته وموقفه وكلمته التي لم تعرف يومًا طريق التراجع.

وُلد مصطفى محمد بكري عام 1956 بمحافظة قنا، في قلب البيئة الريفية الصعيدية الأصيلة، داخل بيت بسيط يعرف قيمة الكلمة والشرف والكرامة. نشأ وسط أسرة ريفية محافظة ممتلئة بروح الترابط والالتزام، وتشرب منذ طفولته قيم الصعيد المصري؛ الشهامة، والوفاء، والنخوة، واحترام الكبير، والتمسك بالمبدأ. ومنذ سنواته الأولى بدا مختلفًا عن كثيرين من أبناء جيله؛ شديد الاهتمام بالشأن العام، متابعًا لما يدور في الوطن العربي، عاشقًا لفكرة الدولة الوطنية، ومتعلقًا بصورة خاصة بتجربة الزعيم جمال عبد الناصر التي تركت أثرًا عميقًا في تكوينه الفكري والسياسي.

ورغم سنوات الشهرة والنجاح والاقتراب من دوائر القرار، ظل مصطفى بكري يحتفظ بداخله بروح الفلاح الصعيدي البسيط؛ ذلك الإنسان الذي لا يتصنع، ولا ينسى الناس، ولا يتخلى عن جذوره مهما صعدت به الحياة. فهو ابن الريف الذي حمل معه رائحة الأرض إلى العاصمة، وحافظ على لهجته القريبة من الناس، وعلى بساطته التي لم تفسدها الأضواء ولا النفوذ.

تلقى تعليمه الأولي في مدارس قنا، ثم انتقل لاحقًا إلى جامعة أسيوط حيث التحق بكلية الآداب والتربية، وهناك بدأت ملامح شخصيته السياسية والثقافية تتبلور بصورة أكبر. كانت الجامعة في سبعينيات القرن الماضي ساحة واسعة للحراك السياسي والفكري، فانخرط مبكرًا في العمل الطلابي والأنشطة الوطنية والقومية، حتى أصبح من الوجوه البارزة داخل الحركة الطلابية. ولم يكن طالبًا عاديًا يكتفي بالمناهج الدراسية، بل كان قارئًا نهمًا للتاريخ والسياسة والفكر العربي، لذلك امتلك منذ شبابه قدرة استثنائية على التحليل السياسي والخطابة والكتابة. ثم واصل اهتمامه بالدراسات السياسية، فحصل على دبلوم الدراسات العليا في النظم السياسية والقانونية والاقتصادية من جامعة الزقازيق، وهو ما أضاف إلى خبرته العملية خلفية أكاديمية انعكست لاحقًا على أدائه البرلماني والإعلامي.

دخل مصطفى بكري العمل السياسي مبكرًا عبر الحركة الطلابية والتنظيمات الناصرية والقومية، مؤمنًا بأن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصمت. انضم إلى منظمة الشباب الاشتراكي، وانتُخب عضوًا باللجنة المركزية، ثم شارك في تأسيس منبر اليسار الذي تحول لاحقًا إلى حزب التجمع. وكان من أبرز المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد وسياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس أنور السادات، ما جعله عرضة للملاحقة الأمنية والاعتقال. وخلال اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة، تم القبض عليه ضمن مئات السياسيين والمثقفين المعارضين، وقضى فترة من حياته داخل السجن بسبب مواقفه السياسية، قبل أن يخرج مع بداية عهد الرئيس حسني مبارك. وقد صنعت تلك المرحلة شخصيته الصلبة؛ فلم يعد يرى السياسة مجرد شعارات، بل مسؤولية وثمنًا ومعركة طويلة من أجل المبدأ.

بدأ رحلته الصحفية مبكرًا متنقلًا بين عدد من المؤسسات الصحفية القومية والحزبية والمستقلة، حتى أصبح واحدًا من أشهر الأسماء في الصحافة السياسية المصرية. عمل في مجلة “المصور” وجريدة “الأحرار” وجريدة “الشعب” وجريدة “مصر اليوم”، كما عمل مراسلًا لإذاعة مونت كارلو الدولية، وبرز بأسلوبه المختلف؛ لغة قريبة من الناس، معلومات دقيقة، وقدرة كبيرة على فتح الملفات الشائكة. لم يكن صحفيًا تقليديًا يبحث عن العناوين، بل كان صاحب معارك حقيقية ضد الفساد ومراكز النفوذ، لذلك ارتبط اسمه دائمًا بالملفات الثقيلة والقضايا الحساسة.

وتبقى تجربة جريدة الأسبوع⁠ واحدة من أهم محطات حياته المهنية؛ فقد أسسها لتكون جريدة مختلفة تمتلك الجرأة في كشف الفساد وتتبنى القضايا الوطنية والقومية وتمنح مساحة للرأي الحر. وخلال سنوات قليلة تحولت “الأسبوع” إلى واحدة من أكثر الصحف المصرية انتشارًا وتأثيرًا بعدما فجرت ملفات عديدة هزت الرأي العام وكشفت وقائع فساد واستغلال نفوذ واحتكار. ولم تكن “الأسبوع” مجرد جريدة بالنسبة له، بل مشروعًا وطنيًا وإعلاميًا متكاملًا استطاع عبره أن يصنع مدرسة صحفية خاصة تحمل بصمته الواضحة.

ومع اتساع حضوره الصحفي، انتقل مصطفى بكري إلى الشاشة ليصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الإعلاميين تأثيرًا في مصر والعالم العربي. تميز بأسلوب مباشر وصوت يحمل نبرة الصعيد المصري وقوة الموقف، لذلك استطاع أن يصل إلى قطاعات واسعة من الجمهور. وقدمت برامجه السياسية، وعلى رأسها “حقائق وأسرار”، نموذجًا للإعلام السياسي القائم على كشف الملفات والمواجهة المباشرة وتحليل الأحداث بجرأة، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين الإعلامي السياسي الأول في مصر خلال مراحل طويلة.

كما ترك تحت قبة البرلمان حضورًا استثنائيًا جمع بين الثقافة السياسية والخبرة الصحفية والقدرة الخطابية. تميزت مداخلاته بالجرأة والحدة والقدرة على طرح الملفات الحساسة، وكان دائم الحضور في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والدفاع عن الدولة المصرية وحقوق المواطنين. وعلى مدار سنوات طويلة ظل من أكثر النواب حضورًا وتأثيرًا، حتى استحق عن جدارة وصف “عميد البرلمانيين المصريين والعرب” لدى قطاعات واسعة من المتابعين.

ارتبط اسم مصطفى بكري بعشرات الملفات والقضايا التي أثارت الرأي العام، سواء عبر مقالاته أو برامجه أو تحقيقاته الصحفية. دخل في مواجهات قوية مع شخصيات نافذة ومراكز قوى، وكشف ملفات تتعلق بإهدار المال العام والفساد الإداري والسياسي والاحتكار، لذلك كان دائمًا حاضرًا في قلب المعارك. ورغم ما تعرض له من حملات وهجوم وتشويه في مراحل مختلفة، فإنه بقي ثابتًا على طريقه، مؤمنًا بأن الصحافة يجب أن تكون سلطة رقابة لا مجرد نقل أخبار.

ومن أهم وأجمل فصول حياته علاقته بشقيقه الراحل محمود بكري؛ تلك العلاقة التي تجاوزت حدود الأخوة إلى الشراكة الوطنية والإنسانية الكاملة. سارا معًا في طريق الصحافة والسياسة وتقاسما المعارك والانتصارات والضغوط، وكان كل منهما سندًا للآخر. وشكلا معًا ثنائيًا صحفيًا وبرلمانيًا مؤثرًا، خاصة عبر تجربة جريدة “الأسبوع” التي حملت بصمتهما معًا. وحين رحل محمود بكري، بدا الحزن واضحًا في قلب مصطفى بكري، فقد فقد شقيق العمر ورفيق الدرب، لكن ذكراه بقيت حاضرة في كل تفاصيل الرحلة.

ولم يكن مصطفى بكري مجرد إعلامي وصحفي، بل صاحب مشروع توثيقي وفكري أيضًا، فقد ألّف العديد من الكتب المهمة التي وثقت أحداثًا وتحولات كبرى في تاريخ مصر والمنطقة العربية، من أبرزها “أوراق جمال عبد الناصر”، و”حقيقة عبد الناصر”، و”الإرهاب والصحافة”، و”الفساد السياسي في مصر”، و”مبارك وزمانه”، و”صفوت الشريف.. شاهد على العصر”، و”أسرار التنظيمات المتطرفة”. وهي كتب جمعت بين التوثيق والتحليل السياسي، حتى تحول مع الوقت إلى موسوعة سياسية وثقافية وإعلامية متحركة.

وعلى المستوى الشخصي، كانت علاقتي بالأستاذ مصطفى بكري ممتدة عبر سنوات طويلة، ولمست فيه عن قرب ما لا يعرفه كثيرون خلف الكاميرات والشاشات. وجدته إنسانًا بسيطًا رغم كل هذا الحضور، متواضعًا رغم شهرته الكبيرة، قريبًا من الناس بصورة حقيقية لا مصطنعة، عاشقًا لمصر بصورة نادرة. هو الفلاح الريفي الذي يجسد روح الصعيد المصري بكل ما تحمله من قيم الكرم والشهامة والوفاء والنبل والالتزام بالمبدأ. صاحب واجب في كل المناسبات، لا يتأخر عن الناس، ولا ينسى أبناء بلده وأهل الصعيد، لذلك لم يكن غريبًا أن يحظى بمحبة كبيرة داخل قنا والصعيد كله.

وفي زمن أصبحت فيه المواقف تتغير سريعًا، بقي مصطفى بكري ثابتًا على حضوره؛ مثقفًا ومفكرًا وإعلاميًا وبرلمانيًا وصاحب كلمة، يحمل همّ الدولة المصرية، ويؤمن أن قوة مصر واستقرارها قضية تستحق الدفاع عنها دائمًا. سبعون عامًا مرت، وما زال الرجل حاضرًا ومتوهجًا، بنفس الشغف، ونفس الصوت، ونفس الإيمان بأن الكلمة موقف، وأن الوطن يستحق دائمًا من يدافع عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى