مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: (ما تتغفل وأنت ساكت)!!

كثيرون من أصحابِ المِهَنِ اليوم أصبحوا يَشْكُونَ من الدخلاءِ على المهنة؛ ذلك أن الدخيلَ على أي مهنة غيرُ متخصص، لا يعرف قواعدَها، ولا يُراعي أصولَها، الإعلاميون والصحفيون مثلًا يَشْكُونَ من كثرة الدخلاء بفعل التليفون المحمول، والـ (سوشيال ميديا) التي جعلت كلَّ مَن (هَبّ ودَبّ) يفعل ما يريد دون مراعاةٍ لأخلاقٍ أو آدابٍ وأعراف؛ فكل مهنةٍ لها آدابها التي يعرفها أربابُها، أما الدخيلُ فيجهل رُوحَها.

ولعلني هنا أقتربُ من مهنة السمسرة التي أصبحت مهنةَ من لا مهنةَ له؛ طمعًا في كسبِ مالٍ وفير ببذلِ مجهودٍ قليل، ودون أدنى مراعاةٍ لأصولِ وقواعدِ وأخلاقياتِ المهنة.

وكلمة (سَمْسَرَة) في الأصل كلمة فارسية، لكنَّ العربَ استعملوها منذ زمن الجاهلية، و(السِّمْسَار) هو الوسيطُ بين البائع والمشتري، ولما كان بعضُ الناس لا يُحسن البيعَ والشراءَ أو لا يُمكنه الخروجُ إلى السوق، فقد نشأت الحاجةُ إلى هذا الوسيط الذي لا بد أن يعيَ أنه مؤتمن لتكونَ أُجْرَتُه حلالًا، وهذا أول بندٍ في أصول هذه المهنة وأخلاقياتِها، يُضاف إليه بندُ الصدق في وصف السلعة مميزاتِها وعيوبِها، ووضوحِ العمولة كنسبةٍ مئويةٍ من الصفقة، أو مبلغٍ متفقٍ عليه، مبتعدًا عن الغش والتدليس أو اللعب على (الحَبْلَيْن / الطرفَيْن) خادعًا أحدَهما أو كليهما!! ولا بُدَّ للسمسارِ قبلُ أن يكونَ عالِمًا بالسوق، على درايةٍ ومُتابعةٍ دائمةٍ بأسعاره ومتغيراته؛ حتى يكونَ تقييمُه عادلًا، ولا ينحازَ لطرفٍ على حسابِ طرف، ولا يكون كلُّ همِّه أن يربحَ هو، دون النظر لمصلحةِ الآخرين!!

يحكي أحدُهم أنه تواصلَ مع سمسار لشراء شقة، فعرض عليه شقة في الدور الخامس / الأخير، فلما اعترض المشتري، قال له السمسار: (دي بحري البحري، ومافيش جار يقرفك، هتعيش منك للسما)!!

ولما اتصل به متنكرًا عارضًا عليه أن يبيعَ له شقته الموجودة في الدور الخامس / الأخير، قال له نفس السمسار: (هو حد بيسكن في الخامس، دا قطع نَفَس، ومنك للسما، يعني المطر في الشتا، والشمس في الصيف)!!

المصيبة الكبرى أن مثلَ هذا السمسار _ الذي يبيع أباه _ يرى أن ما يفعله هو من فنون التسويق لا من فنون النصب والسرقة والإجرام وبخس الحقوق واستحلال ما لا يحل!! والعجيب كما يقول صاحبُ تجربة أنك حين تتعامل معه بحِرْص يتعجب، وكأنه يريد أن يقولَ لك: (ما تتغفل وأنت ساكت)!!

يقول الله _ عز وجل _: ” ” مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ” ( ق _ 18 )، ويقول سبحانه في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز ” وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ” ( الأعراف _85 // هود _ 85 // الشعراء _ 183 )

والنبي _ صلى الله عليه وسلم _ يقول: (التاجرُ الصَّدُوقُ الأمينُ مع النَّبِيِّينَ، والصِّدِّيقِينَ، والشهداءِ، والصالحينَ)، ويقول: (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)، و (لَيَأتيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يُبالي المَرءُ بما أخَذَ المالَ: أمِن حَلالٍ أم مِن حَرامٍ).

عزيزي القارئ: إن كنتَ قد تعاملتَ مع سمسار مؤتمن أو غير مؤتمن، فاقصُصْ علينا حكايتَك معه علَّنا نستفيد.

زر الذهاب إلى الأعلى