مقالات الرأى

مدحت عطا يكتب : “شعبان الثابت” فارس الظروف الصعبة…!!!

تلقيتُ نبأ وفاة صديقى شعبان ثابت الصحفى ببوابة مصر الآن فصُدم قلبى وزُلزل كيانى لهذا النبأ الحزين حيث كان تواصلى معه يومياً ولم يغب عنى إلا هذا اليوم فقط والذى شهد خبر وفاته بعد معاناة قصيرة من ألم فى عظام مفاصله كما وصف لى حالته قبل ساعات من وفاته…!!!
فقد مات “شعبان “ثابت” الكاتب الصحفى الكبير(المظلوم) أبن قرية تونس أحد أهم قرى مركز سوهاج والتى ولد فيها وترعرع بين سماءها وأرضها ووسط أهلها الطيبين كاتبنا الكبير حيث يرجع أسم قرية تونس إلى السيدة السويسرية ” إيفلين بوريه”التى زارت القرية فى سبعينيات القرن الماضى وأطلقت عليها هذا الإسم بسبب تشابهها مع الريف التونسى من حيث الطبيعة الخلابة والهدوء حيث كان شعبان مُعتز تمام الأعتزار بإنتمائه لهذه القرية الرائعة وكان يتحدث عنها بطريقة تُثير إعجابك بها وتتمنى زيارتها وقد كان حيث قُمت بالذهاب إليها
مع عدد من أفراد أسرتى وهى تبعد عن المحافظة حوالى ١٠ كيلو متر وكان الطريق إليها يريح النفس والقلب والبصر أيضاً لما مررنا به من طبيعة زراعية خلابة ومبهجة…!!!
هذا الشاب العصامى الذى توفى والده وهو فى سن السابعة من عمره تاركاً اخ له أصغر منه وأم غير عامله(ست بيت) مما دفعه(رجولته) وهو فى هذا السن الصغير إلى الذهاب الى مدينة الإسكندرية فى العُطلة الصيفية المدرسية للعمل مع أبناء عمومته لمساعدة والدته فى متطلبات الحياة الشاقة وتربية أخيه الصغير وهذه شهامة نعهدها دائماً من أهل الجنوب ويعرفها القاصى والدانى من شعب مصر والدول العربية…!!!
وترعرع الشاب شعبان وهو على عهده فى مواصلة الكفاح لمساعدة والدته والتفوق فى الدراسة حتى وصل إلى المرحلة الجامعية حيث إلتحق بكلية الآداب قسم الصحافة والإعلام جامعة سوهاج
والذى أظهر فيها نبوغاً منقطع النظير عن أقرانه(حالياً هم فى مناصب فى مجالات الأدب والصحافة والشعر حيث يملئون الدنيا شهرة) حيث كان أول دفعته لكن كان المرض اللعين يمشى على خط مستقيم مع مرحلة نبوغه وتفوقه حيث أصيب وهو فى العام الثانى الجامعى بمرض ضمور العضلات وهو من الأمراض الوراثية النادرة التى تسبب ضعفاً تدريجياً وفقداناً للكتلة العضلية نتيجة طفرات جينية مما يؤثر على الحركة والتنفس ولكن إرادة الله ولطفه تكافأه خلال هذه الفترة بأن يرتبط قلبه بقصة حب جميلة بشريكة حياته حتى مماته زوجته وأرملته حالياً وهى أبنة خاله السيدة النقية الطاهرة الصابرة والمستسلمة لأرادة الله والتى كانت ساعده الأيمن فى مشوار مرضه وحياته حيث كان أسير حجرته وفراشه الذى أستمر أكثر من أربعة وثلاثون عاماً دون كلل أو ملل بل تذكرت قولها عندما زرناه أنا وأخواتى بوصفها شعبان ده (الحبيب الغالى) وهى خريجة دبلوم مدارس المعلمات بسوهاج…!!!
قاوم شعبان المرض دون استسلام أو قنوط من حياته حيث تزوج إبنه خاله عام ١٩٩٠ بعد تخرجه من الجامعة ولكن للأسف لم ينجب منها أى أولاد لظروفه المرضية والنفسية التى مر بها حيث كان يستشرى المرض فى جسده دون أى عقبة أو علاج فعال ورضى بقضاء الله حيث إعتبر كل أبناء قريته هم أبناؤه وخاصة أبناء أخيه الأوحد…!!!
ومن حديثى معه الودى لاحظت غضبه الشديد على ملامح وجهه وحزنه الصامت حيث قص على مسامعى مدى حجم الظلم والقهر الذى يواجه الإنسان وخاصة عندما يُسرق منه حلمه بفعل فاعل فهو لم يتم إختياره مُعيداً فى كليته رغماً بأنه كان هو الأحق بهذا التشريف والمنصب جملة وتفصيلاً لأنه كان أول دفعته مع مرتبة الشرف حيث تم إختيار إبن عميد الكلية بديلاً عنه دون مراعاة أى حقوق أو ضمير إنسانى…!!!
وظل شعبان يرتدى ثوب القهر والحزن طوال حياته ولكنه لم ييٱس وتم تعيينه فى وظيفة إخصائى صحافة فى مدرسة نجع أحمد عتمان الابتدائيه التابعة لقرية تونس وذلك عام ١٩٩٣ ولقوة شخصيته ونبوغه التعليمى وكفاحه النادر فى ظل ظروف مرضه كان يقوم بإعطاء دروس فى مادة اللغة الإنجليزية التى تفوق فيها لإبناء قريته من جيرانه وغيرهم لمواجهة متطلبات الحياة أيضاً حيث كان يطلق عليه “أيوب تونس” لصبره الشديد فى مواجهة مرضه وظروفه الأسرية الصعبة…!!!
عاش شعبان ثابت وهو ثابت على مبادئه القيمة التى كان معظمها يتمثل فى الرضا بقضاء الله وقدره والإيمان بما كتبه الله له ورغم تواضعه الشديد
إلا إن الإعتزاز بالنفس كان نبراس من يتعامل معه حتى إنه كان يُشعرك فى حديثه ومعاملاته وثقافته الواضحة الند بالند وكانت هذه إحدى أهم مفاتيح شخصيته الجذابة حيث كان بيته لايخلو يومياً من زيارات الأقارب والأصدقاء والزملاء من كل مكان وهو جالس على سرير “الأسر الشهير” الذى كان يظهر لنا على مواقع التواصل الإجتماعى بعد نشر صوره معهم عند زيارة هؤلاء وكان يفتخر بهذه الزيارات من وجهة نظره وهى تقدير لشخصه التى كانت ترفع من روحه المعنوية فى مواجهة كل ماهو مؤلم مر به وهو كثير…!!!
عاش شعبان الفارس مع معارك كثيره فى حياته يتخللها تخاذل كبير لا يتحملها بشر عادى بدءاً من تجاوز تفوقه الدراسى وعدم تعينه مُعيداً وهذا حق أصيل له وإصابته بالمرض اللعين فى عز شبابه وأيضا عدم وجود أولاد يعضدونه ويشدون من أزره خلال فترة مرضه أو مشيبه…!!!
مات شعبان البطل وهو فى سن الستين عاماً حيث كانت حياته مليئة بالاشواك والمحن القاتلة مات فى لحظات دون شكوى أو ألم مفاجئ حيث كان تواصلى معه قبل وفاته بيوم أسأله عن مدى تأثير مقالى الأخيرة(زُر غُباً تزداد حباً) على شخصه وتقيمه لها وكانت كلماته معى دوماً فيها من الرقى الادبى والصحفى عن كل ما أكتبه على “بوابة مصر الآن” وكان يقول لى هذه الجملة التى كانت ترفع من روحى المعنوية أنت “صحفى موهبه” أى دون دراسة أكاديمية…!!!
عاش شعبان صابراً على جميع ما مر به من مصاعب وأزمات دون شكوى أو إعتراض فكان الإيمان بما كتبه الله له شرعاً يؤمن به دون تأفف أو ضجر بل كانت الإبتسامة العريضة تملأ وجهه عندما تلتقيه فكان مضيافاً حاتمى بمعنى الكلمه مع من يزوره وقد لمسنا هذا عندما التقينا به حيث أخذنا الحديث معه إلى ساعات طويلة من المساء وسط أهله وأحبته من أهل قريته…!!!
مُتّ ياصديقى وقد كان خبر وفاتك صدمة لم افق منها حتى الآن وإلى الملتقى فى جنة الخلد وإنا لله وإنا إليه راجعون…!!!

زر الذهاب إلى الأعلى