محمد محمود عيسى يكتب : المعارضة والموالاة وبينهما ثالث

منذ سنوات طويلة ونحن نقرأ ونشاهد على امتداد مراحل الحياة السياسية مصطلحات المعارضة والموالاة سواء على مستوى الأحزاب والكيانات الحزبية أو التنظيمية أيا كان اسمها أو شكلها السياسي أو على مستوى الأفراد أيا كانت توجهاتهم أو أهدافهم السياسية وبالتالي انحصرت دائرة المواجهة السياسية على مستوى الأحزاب والأفراد في مسارين فقط لا ثالث لهما وبناء على هذه التقسيمة الأحادية توجد أحزاب للمعارضة وأحزاب للموالاة وبغض النظر عن تقييم الحياة السياسية من ناحية حيويتها وحياتها ووجودها في المجتمع وتأثيراها على المواطنين وتأثر المواطنين بها أو حتى إن كانت بشكل عام فاعلة وبشكل حقيقي في مسيرة الوطن والمواطن إلا أننا نريد أن نتوقف عند مصطلح المعارضة والموالاة وما ترتب على هذه المصطلحات السياسية ومنذ سنوات طويلة أثرت في مسيرة الأحزاب والأشخاص وكأنها مصطلحات مقدسة نزلت من السماء لا يصح الاقتراب منها أو حتى محاولة التفكير في تغييرها أو إيجاد مصطلحات أو تعريفات سياسية جديدة ولو من باب التغيير ومواكبة تطور الحياة والعصر أو حتى من باب مراجعة القالب أو الشكل السياسي العام الذي يسكله ويعيش فيه من ينتمي إلى حزب من أحزاب المعارضة أو حزب من أحزاب الموالاة أو حتى على سبيل المواقف والانتماءات الشخصية ومن هنا نطرح سؤالا منطقيا ينبغي التفكير فيه بهدوء وعقلانية ولو من باب المراجعة الدورية للقناعات والأفكار السياسية أو حتى من باب عدم الاستسلام لحالة سياسية دائمة ومستمرة أو الاستغراق والانتماء لمصطلحات وتعريفات سياسية يتمسك بها الفرد ويتعايش معها منذ مئات السنين وهي تفرض عليك طريقين لا ثالث لهما إما أن تكون معارضا أو تنتمي لحزب معارض وإما أن تكون مواليا ومؤيدا وتنتمي لحزب موالي ومؤيد ومن هنا تتشكل الأحزاب السياسية على هذه القسمة ويتشكل الأفراد على هذه القسمة وتتشكل الهيئات البرلمانية على هذه القسمة وتتشكل الصحف الحزبية على هذه القسمة وتنطلق الحياة السياسية والحزبية والفردية على هذه القسمة أيضا وبناء على القسمة السياسية الماضية والحاضرة استسلم الجميع لهذا التقسيم السياسي وكأنه أصبح واقعا لا مفر منه وثابتا من ثوابت الحياة السياسية المقدسة ممنوع الاقتراب منه أو التصوير معه
ولكن أليس من حقنا أن نطرح سؤالا منطقيا تماشيا مع حق الإنسان في التفكير واحترام رغبة الإنسان في التغيير وهو ألا يمكن أن يكون هناك طريق ثالث بين المعارضة والموالاة يتمتع بالاستقلالية والحرية والنزاهة السياسية يجمع بين الفريقين في إطار سياسي واحد ومستقيم وهو المعارضة حينما تكون هناك قضايا حقيقية تستدعي المعارضة وتكون هناك موالاة حينما تكون هناك قضايا تستدعي التأييد والمساندة وبالتالي يتحرر المنتمي لحزب أو موقف معارض من إشكالية الانتماء المطلق لموقف واحد وثابت من الممكن أن يستغرقه عشرات السنين أو بمعني آخر كيف يمكن لحزب سياسي أن يضع نفسه عشرات السنين في قالب سياسي واحد فقط وهو معارض أو مؤيد وبالتالي يوجه فكره وقناعاته وثقافته ورؤيته ومشاهداته على جانب واحد فقط وهو المعارضة والرفض المطلق أو التأييد المطلق وهو ما يتسبب في اعتيادية التوجه وصلابة الموقف وحدة وجمود الرأي وحتى على مستوى الأفراد هل يمكن لشخص أن يقطع من عمره عشرات السنين وهو يسير في إطار وطريق واحد فقط معارض فقط أو مؤيد فقط .
ولكن ما أحاول أن أشرحه هنا هو هل يمكن صنع حالة من الموائمة بين المواقف السياسية حينما تستدعي المعارضة فهي معارضة وطنية حقيقية بناءة وموجهة وحينما تستدعي التأييد يكون تأييدا وطنيا خالصا بعيدا عن النفاق والمزايدة والسؤال الأخطر هل يمكن وبحكم تغيرات الزمن وتطور الحياة ومراجعة القناعات والأفكار السياسية أن يأتي يوم ونتخلص من هذين المسارين مسار المعارضة ومسار الموالاة ويكون هناك مسار ثالث ورابع وخامس يجمع ويصيغ إطار سياسي جديد يناسب العصر والحياة الجديدة ويحطم قيود الكلاسيكية السياسية العتيقة في المعارضة والموالاة
قد لا يكون عندي الآن هذه الإطار الثالث بين المعارضة والمولاة ولكن ما أدعو إليه هو ضرورة التفكير في أن يكون هناك إطار ومسار سياسي ثالث يجمع بين المعارضة والموالاة وقد يكون هذا ممكنا وواقعيا ومنطقيا وقد يكون بحكم الظروف السياسية الجامدة والتي اعتادها أهل السياسة والأحزاب والشخصيات التاريخية المعارضة غير ممكن ولو حتى من باب رفض التفكير في التغيير ورفض التفكير في إعادة النظر في هيكلة وتغيير الأطر السياسية والحزبية العامة التي تحكم حياة الأفراد والأحزاب وصولا إلى إخراج قوالب سياسية نابضة وقابلة للحياة ولا تؤثر إطلاقا على قناعات الأفراد وتوجهاتهم السياسية
دعونا نتخيل أن دعوة التفكير في الإطار الثالث بين المعارضة والموالاة جاءت على لسان أحد المحللين السياسيين الأجانب الكبار ولو من باب الحوار والنقاش بالطبع كانت ستستقبل بحفاوة وترحاب شديد لأنها من المفروض أن تكون صناعة غربية جيدة ولكننا نطرحها هنا من خلال السياق المحلي ولو حتى من باب المراجعة والتنقيح ومؤائمة العصر










