مقالات الرأى

د.طارق هلال يكتب : (محو الأمية البيئية)  .. من وعيٍ غائب إلى قوة تنقذ الإنسان وتبني اقتصاد المستقبل

لم تعد البيئة قضية للمستقبل، بل معركة تخاض الآن على بقاء الإنسان نفسه. فالعالم الذي نعيش فيه يواجه تحديات غير مسبوقة، تتداخل فيها الأزمات البيئية مع الاقتصادية والاجتماعية، حتى باتت الأمية البيئية خطراً لا يقل عن أي تهديد استراتيجي آخر. إن الجهل بكيفية التعامل مع البيئة لم يعد مجرد نقص في المعرفة، بل تحول إلى سلوك يومي يسرع من وتيرة التدهور ويقربنا من حافة الخطر.
فالبيئة ليست مجرد هواء وماء وتربة، بل نظام متكامل شديد الحساسية، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على استقرار الإنسان واقتصاده وأمنه الغذائي. ورغم إدراك هذه الحقيقة نظريًا، إلا أن الفجوة بين المعرفة والتطبيق لا تزال قائمة، وهنا تبرز أهمية محو الأمية البيئية كمدخل لإعادة تشكيل الوعي والسلوك معًا.
لقد أصبح التلوث “العدو الصامت” الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، بينما لم يعد التغير المناخي مجرد تحذير علمي، بل واقعاً يتجلى في موجات حر غير مسبوقة، واضطرابات بيئية متكررة، وكوارث تهدد الأمن الغذائي والمائي عالمياً.
وفي قلب هذه التحولات المناخية المتسارعة، تبرز ظاهرة ظاهرة “النينيو” كأحد العوامل المؤثرة بعمق في استقرار النظام البيئي والاقتصادي عالمياً. فلم تعد هذه الظاهرة مجرد دورة مناخية طبيعية، بل تحولت إلى مصدر اضطراب واسع النطاق، حيث تسببت في تقلبات حادة في درجات الحرارة وأنماط الأمطار، ما انعكس سلباً على الإنتاج الزراعي، وأدى إلى اختلال سلاسل الإمداد العالمية. ومع تكرار هذه الظاهرة بوتيرة أكثر حدة، أصبحت تمثل ضغطًا اقتصادياً مباشراً، يساهم في ارتفاع أسعار الغذاء ويفاقم معدلات التضخم، خاصة في الدول الأكثر هشاشة.
هذا الواقع يفرض الانتقال من مرحلة الإدراك إلى مرحلة الفعل، ومن التعامل مع البيئة كرد فعل إلى إدارتها كمنظومة استباقية مرتبطة بالاقتصاد والأمن القومي.
فالتحصين البيئي يبدأ من الإنسان، من سلوكه اليومي واختياراته ونمط حياته. فترشيد الاستهلاك، وتقليل النفايات، والاعتماد على الطاقة النظيفة، لم تعد ممارسات فردية، بل أصبحت جزءاً من بناء اقتصاد جديد يعيد تعريف الموارد ويحوّل التحديات إلى فرص.
فإعادة التدوير لم تعد وسيلة للتخلص من المخلفات، بل صناعة متكاملة تخلق فرص عمل وتدعم الاقتصاد الأخضر. كما أن الطاقة المتجددة من الشمس والرياح إلى الهيدروجين الأخضر أصبحت ركيزة أساسية لمستقبل أكثر استدامة يجمع بين حماية البيئة وتحقيق النمو الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، تمثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات محورية في إدارة هذا التحول، من خلال تحليل البيانات البيئية، والتنبؤ بالمخاطر، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، بما يجعل العلم جزءاً من الحل لا من المشكلة.
كما أثبتت التجارب الدولية أن النجاح في هذا الملف لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بتكامل الإرادة السياسية مع الوعي المجتمعي. فبينما نجحت السويد في تحويل النفايات إلى مصدر طاقة، رسخت ألمانيا نموذج الاقتصاد الأخضر، وتقدمت الإمارات في مشاريع الطاقة الشمسية، واستثمرت الصين بقوة في التحول نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
هذه النماذج تؤكد أن الوعي البيئي لا يفرض، بل يبنى، وأن محو الأمية البيئية ليس شعاراً، بل منظومة متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
أما في مصر، فقد أصبح البعد البيئي جزءاً أصيلاً من التوجه الاستراتيجي للدولة، من خلال دمجه في خطط التنمية، والتوسع في مشروعات الطاقة النظيفة، وإدارة المخلفات، والحفاظ على الموارد الطبيعية، إلى جانب استضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27، بما عزز الحضور المصري في ملف البيئة عالميًا. كما تمثل “رؤية مصر 2030″ إطاراً شاملاً لدمج الاستدامة في مسارات التنمية، مع دعم التشريعات البيئية ونشر الثقافة البيئية في المجتمع، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في مراقبة التلوث وإدارة الموارد.
ونحو تطوير الاستراتيجية البيئية: من التوعية إلى إدارة المخاطر المستقبلية
ورغم هذه الجهود، فإن مؤشرات التلوث والتغير المناخي عالمياً لا تزال مقلقة، 
ما يفرض الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى مقترح استراتيجية بيئية متكاملة تقوم على محاور واضحة: تعميم التعليم البيئي بدمج مفاهيم الاستدامة في التعليم بمراحله المختلفة، وربطها بالسلوك اليومي، التحول نحو الاقتصاد الأخضر بتوسيع الاستثمار في إعادة التدوير والطاقة النظيفة والصناعات المستدامة.توظيف الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمخاطر البيئية، وإدارة الموارد، وتحسين كفاءة القرار، تعزيز الشراكة المجتمعية بما يدمج الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في منظومة واحدة، بناء ثقافة المسؤولية والحوافز من خلال تشريعات تدعم السلوك البيئي الإيجابي وتحد من الممارسات الضارة، إدارة المخاطر المناخية المعقدة (مثل النينيو) من خلال تطوير نظم إنذار مبكر للتقلبات المناخية، وتنويع الإنتاج الزراعي، وبناء مخزون استراتيجي للسلع الأساسية، وربط السياسات البيئية بالاقتصادية لتقليل أثر الصدمات 
المناخية الحادة.
فمن الممكن تطبيق هذه الاستراتيجية من خلال مجموعة من الآليات العملية.  كإنشاء إطار وطني موحد يربط بين الجهات المعنية، ويضمن أن يكون البعد البيئي جزءاً إلزامياً في كل قرار اقتصادي أو تنموي، وتخصيص بنود واضحة في الموازنة العامة للمشروعات البيئية، مع ربط التمويل بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتطوير منصات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتقلبات المناخية (مثل النينيو) وتقليل آثارها على الزراعة والاقتصاد، مع تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للشركات التي تعمل في مجالات الطاقة النظيفة، وإعادة التدوير، والتكنولوجيا البيئية، تحديث القوانين البيئية بما يواكب التحديات الحالية، مع تفعيل آليات الرقابة والعقوبات بشكل عادل وفعال، بناء نموذج تشاركي يوزع الأدوار بوضوح، ويحول المجتمع إلى شريك في التنفيذ وليس مجرد متلق، مع استخدام التكنولوجيا في تتبع الانبعاثات، وإدارة المخلفات، 
وتحسين كفاءة الموارد.
وفي إطار هذه الاستراتيجية، يمكن إطلاق مبادرة وطنية تحت عنوان:
”مواطن واع… بيئة آمنة” كأحد أدوات التنفيذ، وتركز على نشر الثقافة البيئية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، دعم مشروعات إعادة التدوير على المستوى المحلي، تشجيع الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة، تحفيز السلوكيات الصديقة للبيئة، استخدام أدوات رقمية وتوعوية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. فهى لا تمثل مجرد حملة توعوية، بل منصة تنفيذية داعمة للآليات المطروحة ، من خلال نشر الوعي البيئي بشكل ممنهج، ودعم السلوكيات الإيجابية على المستوى الفردي، وخلق رابط مباشر بين المواطن والسياسات البيئية، وايضا تحويل الوعي إلى ممارسة يومية مؤثرة.
وختاماً: إن ما نشهده اليوم من تأثيرات متزايدة لظواهر التغيرات المناخية، وارتفاع معدلات التلوث، ليس مجرد تحد بيئي، بل إنذار واضح بضرورة إعادة ترتيب أولويات السياسات العامة. فنحن أمام معادلة حاسمة، إما الاستثمار في الوعي البيئي وبناء اقتصاد أخضر مستدام، أو مواجهة أزمات متصاعدة بتكلفة أعلى وتأثير أعمق، فيجب تحويل هذا التوجه إلى واقع ملموس. فالدول التي ستقود المستقبل ليست الأكثر موارد، بل الأكثر وعياً، فالبيئة لم تعد ملفاً يدار، بل منظومة تبنى، وقرار ينفذ، ومستقبل يصنع.

زر الذهاب إلى الأعلى