مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب : ‏( زمن القيم الضائعه )!


‏هل يُفسَّر الأسى على تآكل مجموعات القيم والاخلاق والسلوك القويم والحرص على الآداب العامة  بأنه حنين إلى أيام كانت فيها هذه القيم حاضرة، وتشكل أغلب تصرفات الناس قديماً؟ أم يُفسَّر بأنه رجعية وعدم تطور، أو حنق على زمن حاضر تآكلت فيه القيم وتبدلت؟

‏من وعي الدنيا قبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين عاماً يعيش معاناة حقيقية أمام تلاشي القيم الخلقية والسلوكية، بل وحتى ما تحضُّ عليه الأديان من أخلاق وقيم. أما الأحدث سناً، ممن لم يروا مظاهر السلوك القويم كاملة، فلا فرق عندهم، لأنهم لم يفتقدوها أصلاً؛ إذ لم يعيشوها، ولم تُلقَّن لهم، ولم يُؤدَّبوا على الحفاظ عليها، إلا من رحم ربي.

‏ما ينسحب على الفرد ينسحب على المجتمع والدولة وكل مكونات الحياة. وإن كان الناس يرون الدول ككيانات جمادية فلا يتألمون لسلوكها على المستوى الشخصي، وربما يحملون لها بغضاً، مع أن منبع هذا السلوك هو تصرفات بشرية لأفراد على رأسها. أما الوجع الأكبر فيقع في المجتمعات الأصغر، كالقرى وحواري المدن، التي تتكون من الأقارب والجيران المعروفين لبعضهم بعضاً جيداً. هنا يصبح مروق الفرد عن القيم والخلق القويم موجعاً ومثيراً للغضب واللغط.

‏مجموعة القيم المرتبطة بالاحترام والآداب العامة وطهارة اليد واجتناب المحرمات المنهي عنها دينياً قد تغيرت تغيراً كلياً. فما كان يُعاش قديماً كفرض وواجب أصبح اليوم يُوصف بالرجعية والتخلف وقلة الحيلة. وأصبح مفهوم “الحرية” يضع كل معايير الأخلاق والسلوك والآداب في اختبار قاسٍ، فيضعها في جانب مهمل غير مرغوب فيه، بل وربما رجعي.

‏انهيار دور الأسرة والمدرسة ودور العبادة كمؤدب ومرشد ومعلم للقيم والسلوك المنضبط ساهم بشكل كبير في اختلال منظومة القيم. كما ساهم الإعلام بكل وسائله المنفتحة بشكل كامل على ثقافات ومجتمعات أخرى تحمل قيماً مغايرة، وفي إطار تأثيره الذي يصل إلى التقليد الأعمى دون انتقاء للأصلح والأقوم، في تعميق هذا الاختلال مقارنة بالسابق.

‏كما ساهم غياب الوازع الديني او توجيه الدين لسياسه ومكاسب واعتباره اداه _ساهم_ في خلق بيئة صالحة لمفاهيم وأخلاق وممارسات جديدة يستهجنها الكبار سناً. وقد يرى البعض أن قسوة ظروف الحياة والتكسب والعيش قد خلقت وكرّست فساداً يُدار تحت أسماء “الفهلوة” و”الشطارة”، ويُعتبر سلكها طريقاً لا حرج فيه، بل قد ينال صاحبه استحسان محيطه إذا أفضى إلى ثراء أو نفع أو مكانة متقدمة.

‏تُتهم زحمة الحياة ومشاغلها بأنها السبب في تآكل الترابط الأسري والمجتمعي، وغياب التكافل، أو ممارسته من باب الرياء والنفاق الاجتماعي. فأصبح الفرد نفعياً براغماتياً يعيش لنفسه أولاً، أو لمن يدعم مصالحه، وربما يؤدي يسر الحياه والثروه الهابطه حديثا في خلق سلوكيات ليست بالقويمه كليا وتكرس لخلخله الثابث اجتماعيا وتدعم المعني (محدث نعمه).

‏الأمر قد يبدو عادياً للبعض، لكنه في الحقيقة خطير جداً، إذ سيهدم دفء العائلة ودعم الأسرة، ويقوض ترابط المجتمع. وإن بقي شيء قويم اليوم، فمآله إلى التحلل التام ما لم تقم أدوار الدين والأسرة والتعليم والمجتمع بعودة جادة وفاعلة نحو سلوك قويم رشيد يجنب الجميع عواقب تهدد المجتمع وامنه واقتصاده وربما بقائه .

زر الذهاب إلى الأعلى