مختار محمود يكتب: الإعلام الديني..الخروج من النفق المظلم!

يقولون: “إن الضرب في الميت حرام”؛ ومن ثمَّ فلن نكرر ما أسلفناه من قبل عن محنة الإعلام الديني في مصر، وكيف أنه يتراجع يومًا بعد يوم، حتى لامس الانطفاء! ولكن هذا لا يمنعنا أيضًا من البوح مجددًا بضرورة إجراء “مراجعة نقدية” للإعلام الديني بحالته الراهنة الواهنة؛ تفتحُ أمامنا سُبلًا جديدة؛ من أجل إحيائه وهو رميم، بما قد يُعزِّز القيمَ الجوهرية للإسلام، ويُعمِّقُ روحَ المُواطنة والتعددية الدينية والثقافية، وليسَ الاستمرارَ في الانغلاق والانكفاء وتنميةِ الخلافات بين أتباع الدين الواحد وأحيانًا المذهب الواحد، أو مع الآخر، وبما يخلق حائطَ صدٍّ منيعًا أمام قوى الشر وأصدقاء إبليس في الداخل والخارج.
الإعلام الديني يتبني خطابًا جامدًا خشبيًا يُدرجه حتمًا في عداد البؤساء والموتى والراحلين!
هذه المراجعة لا ينبغي أن يضطلع بها من صنعوا الأزمة وفاقموها ويظنون أنهم يُحسنون صُنعًا، ولكن هناك أسماء كثيرة من أهل العلم والاختصاص والخبرة العميقة والدراية والأفكار الإصلاحية ممن تم إبعادهم وتهميشهم وتقزيم أدوارهم قسرًا، يمكن إسناد هذه المهمة إليهم؛ باعتبارهم أحقَّ بها وأهلها والقادرين على تصويب المسار دون غيرهم من “أصحاب التقارير السرية” أو “مرضى النرجسية المفرطة”!
الإعلامُ الدينىُّ يجبُ أنْ يغادرَ أنفاقه المُظلمة وجحورَه الضيِّقة وآفاقه العقيمة، إلى آفاقٍ أرحبَ وأوسعَ، ويتجاوزَ الدروسَ الوعظية والتربوية أو الخُطب والمحاضرات المُكررة والقديمة والعقيمة والهزلية والأفكار البليدة و”الإسكريبتات الموحدة”، وينفتحُ على مجالات الشأن الإنساني بما يخدمُ الفردَ والمجتمعَ ويرتقي بالسلوك البشري، ويُعظِّم القيمَ الإنسانية الجامعة، ويخدمُ الصالحَ العام، ويعالجُ الجوانبَ المدنية والعلمية والثقافية والفنية!
أولُ نقدٍ يمكنُ أن يُقدَّم لواقع كثيرٍ من الإعلام الديني في مصر هو: السطحية والاستقطابُ والطائفية والنمطية والانجذابُ نحوَ أجنداتٍ سياسيةٍ، ومصالحَ تجاريةٍ تسعى إلى استغلال سذاجة المُخاطَبين وعواطفهم، وقبلَ كلِّ ذلك وبعدَه غيابُ المهنية بشكل لا تخطئه عينٌ، ولا ينكرُه مُنصفٌ، ولا ينفيه عاقلٌ!
ينجحُ الإعلامُ الدينيُّ في تحقيق رسالته عندما يستنطقُ المعاني الجوهرية لِلدِّين، وينطلقُ من فكر إصلاحيٍّ حضاري يستوعبُ التحدياتِ الراهنة، وينتقلُ بالعقل الجمعيِّ من الارتهان بالماضي إلى فقه الواقع، ومن القطعيّة العقَدِيّة إلى النسبية الاجتهادية، ومن ازدراء الحياة الدنيا والتحذير منها إلى تعميق معاني الحياة والابتهاج بها.. بحسب الكاتب الأردنى عامر الحافي.
الانتقالُ من الخطاب الديني العاطفي والإعجازي إلى خطابٍ إنسانيٍّ واقعيٍّ يستوعبُ احتياجاتِ الإنسان وهمومَه المُعاصَرة، يمثلُ ضرورة مُلحَّة وضاغطةً، من شأنها أن تُسهمَ في إعادة الثقة بالخطاب الديني من ناحية، والارتقاء بمضمون الإعلام الديني من ناحيةٍ ثانيةٍ.
على الإعلام الديني، بتنويعاته المتعددة، أن يُعمِّقَ اهتمامَه ببناء المجتمع الإنساني المُعاصر، من خلال التركيز على حقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية وإعلاء قيمَتَي الوحدة والعدالة الاجتماعية والانفتاح على جميع الأفكار واستيعابها، ليس عبر خطابٍ تراثىٍّ فجٍّ أو غليظٍ أو مُنفِّر.. “ولو كنت فظًا غليظَ القلب لانفضُّوا من حولك”، ولا عبر خطاب هزلي هزيل، ولكنْ من خلال آلياتٍ وأدواتٍ تناسبُ مَن يتمُّ استهدافهم من هذا الخطاب، وتواكبُ العصرَ الذي نعيشه، وتكون في الوقت نفسه قادرة على كسر شوكة كل من يحتشدون ضد الإسلام، ويعلنون الحرب عليه من الداخل!
ما تقدم لن يصبح واقعًا ولن يُبصر النور إلا بأمرين اثنين لا ثالث لهما، أولهما: تحرير الإعلام الديني “الرسمي” من القيود والجمود والخطوط الحمراء والسوداء من ناحية، وتوفير الدعم المالي والمعنوي له من ناحية ثانية. يكفي أن تعلم –مثلاً- أن إذاعة القرآن الكريم وقناة مصر قرآن كريم يعانيان أشد المعاناة ماديًا، ولا يحظيان بالدعم اللازم لهما، في الوقت الذي يتم الإنفاق فيه بسخاء وغباء متلازمين على أولويات أخرى لا قيمة لها ولا تأثير ولا جدوى من إنشائها أساسًا!
أما الأمر الثاني، فيتمثل في اقتناع/ إقناع رجال الأعمال بخوض غمار هذا المجال والاستثمار فيه. ولا شك أنهم لو فعلوا ذلك لكان خيرًا لهم، فضلاً عن أنهم قد يسمحون بتقديم إعلام ديني متحرر من القيود الغليظة غير المبررة ومن البخل العمدي والتقتير المتعمد، والسيطرة الغبية..والحماقة التي أعيت من يداويها!