حازم البهواشي يكتب: عِيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟!

أما العنوان فهو شطر بيتٍ شهير لشاعرنا العربي الأشهر “أبي الطيب المتنبي” (303هـ : 354هـ)، وقد نظم المتنبي هذه القصيدة من ثلاثين بيتًا قبل رحيله عن مصر بيومٍ واحد، في يوم عرفة عام 350هـ؛ إذ لم يجد مبتغاه في الحصول على سلطة لدى “كافور الإخشيدي” (292هـ : 357هـ) حاكم مصر، فعبّر في بداية القصيدة عن حزنه وانتظاره أن يحمل له العيد أخبارًا سارة، يا عيدُ، ماذا تحمل؟ هل أخبارك سيئة كما الأخبار الماضية، أم هناك جديدٌ مُفرِح؟!
ونحن في عالمنا العربي، ماذا حمل لنا العيد؟ حمل لأهل غزة الجوعَ والتشريد، واستُشهد الأطفال بملابس العيد _ إن وجدوها _!! لذا لا يمكن لنا أن نصفه بالسعيد، في ظل مواصلة الاحتلال ذبحَهم وقتلهم، إذ لا مكان آمن في غزة، والموت يتربص بالكبير والصغير، ومن لم يمت بالقصف مات جوعًا وعطشًا، حتى أصبحت الجثامين في كل مكان ملقاة، ربما دون وداعٍ من أحبتها أو حتى دون تكريم ودفن!!
لك أن تتخيل أنك تعيش بلا ماء ولا كهرباء ولا حتى منزل يؤويك!! لك أن تتخيل أن النقود أصبحت بلا قيمة لأنك لا تجد ما تشتريه بها، وإن وجدتَ فالسعر بالطبع أصبح أضعافًا مضاعفة بما لا يقوى عليه المواطن!! لك أن تتخيل أن الحيوانات عادت وسائلَ للنقل ومع ذلك لا يجد المواطن طعامًا لها!! لك أن تتخيل أن الحياة عادت بدائيةً فالطهي يحتاج إلى الحطب والنار، وقلة الطعام أو انعدامه تقريبًا يؤثر بشكل سلبي على صحة الجميع وخصوصًا الأطفال!! لك أن تتخيل أن التكايا التي يلجأ الناس إليها للحصول على الطعام أغلقت أبوابها لنفاد المخزون!! ولقد صرح المقرر الأممي للحق في الغذاء أن عدد الأشخاص المتوقع موتهم جراء الحصار والتجويع قد يكون أكثر ممن يموتون في العمليات العسكرية!! وقد وصل عدد شهداء القطاع منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر عام 2023م إلى أكثر من خمسين ألفًا !! منهم 1402 من الطواقم الطبية فضلًا عن اعتقال 362 من الكوادر الصحية وإعدام 3 أطباء منهم في السجون تحت التعذيب، فضلًا عن تعرض 34 مستشفى للحرق أو الاعتداء أو الخروج عن الخدمة بسبب القصف، وكذلك خرج 80 مركزًا صحيًّا عن الخدمة إلى جانب 162 مؤسسة صحية و 142 سيارة إسعاف استهدفها الاحتلال، وقد استشهد 111 من طواقم الدفاع المدني، وتعرض 15 مقرًّا ومركزًا للدفاع المدني للقصف والاستهداف!!
وحسبما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للأطفال (يونيسيف) فإن 322 طفلا على الأقل قتلوا وأصيب 609 آخرون في قطاع غزة عقب انهيار وقف إطلاق النار، وأن 100 طفل في غزة يُقتلون أو يتعرضون للتشويه يوميا خلال الأيام الماضية، مؤكدة مقتلَ أكثرَ من 15 ألف طفل وإصابة أكثر من 34 ألفا خلال 18 شهرا من الحرب، في حين اضطر مليون طفل للنزوح!! وبدعمٍ ممن لا يعرفون للإنسانية طريقًا، ارتُكِبت جرائم إبادة جماعية خلّفت أكثر من 164 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود!!
ولعلنا نتساءل بعد كل هذا: كيف نشعر بفرحة العيد وسط روائح الدماء وركام الهدم وأصوات الانفجارات واقتحام باحات الأقصى ومؤامرات التهجير لتصفية القضية والتي تقف مصر قيادةً وشعبًا في مواجهتها؟! ونعود فنخاطب العيد عله يحمل لنا المفرح الجديد حين يعود بعد نحو شهرين وبضعة أيام!!