مقالات الرأى

عبد المعطى أحمد يكتب: زاهد بدرجة طبيب عيون!

0:00

تعددت الإسهامات الإنسانية التى قدمها الدكتور جبريل على يوسف الملقب ب”طبيب الغلابة”ماجعل الأقصر-وتحديدا أرمنت- لاتتحدث سوى عنه منذ وفاته فى الثالث من إبريل عام 2020 عن عمر 88عاما, وذلك بعد وعكة صحية استمرت عدة أيام فى مستشفى العزل بإسنا للاشتباه فى إصابته بفيروس كورونا المستجد.
كان الناس فى بلادنا يتغنون بإسمه, ويشيدون بصفاته, وأفعاله, بكاه الغلابة وترحم عليه كل من عرفه, أو سمع عن أعماله الجليلة.
منذ سنوات طوال ,ذاع صيت إسم الدكتور جبريل على يوسف حكيم العيون الذى عاش أجمل أيام حياته بين أهالى أرمنت التى رفض أن يغادرها إلى أى مكان آخر مهما كانت الإغراءات, وقرر أن يبقى بين أهلها من الفقراء والذين هم فى أشد الحاجة إليه.
كان حكيم العيون نابها, ذاع صيته, ودوت أعماله فى آذان الكثيرين, ظل وعلى مدى سنوات طوال يرفض أن يتقاضى مليما واحدا من الفقراء, ويتذكر الكاتب الصحفى الكبير مصطفى بكرى قائلا:”ذهبت مع والدى لإجراء عملية جراحية له على يد الدكتور جبريل فى أرمنت, ويومها رفض بكل حسم أن يتقاضى مليما واحدا, بقينا فى عيادته خمسة عشر يوما وكأننا ضيوف أعزاء, مع أنه لم يكن يعرف عن والدى شيئا, كنت طالبا فى المرحلة الاعدادية فى هذا الوقت, وارتبطت صورة هذا الإنسان النبيل فى ذاكرتى, كنت أرى الفقراء يأتون إليه من كل حدب وصوب , وكان يتفانى فى خدمتهم وتلبية مطالبهم دون أن يتقاضى شيئا فى المقابل, ومضت الأيام وكنت دوما أذكره بكل خير, وأحكى حكاية والدى, وكنت أسمع من الآخرين, وتحديدا أبناء أرمنت وإسنا والأقصر,حكايات عديدة وقصصا تكشف المعدن الأصيل لهذا الانسان النبيل, وقبل الرحيل بقترة من الوقت سمعت صوته, وما إن أغلقت سماعة الهاتف حتى شعرت بأن دموعى تغالبنى فى وجود ابنته زينب, فكم من البشر نقابلهم فى الحياة , لكن القلة منهم هى التى تبقى فى الذاكرة, وفى فؤاد القلب أبدالحياة”.
كان زميله حسنين الشريف أستاذ المخ والأعصاب المعروف والذى زامله فى دراسته يقول لأبنائه دوما:”والدكم من الصحابة المتأخرين,لكم أن تفخروا به حتى ولإن لم يترك لكم شيئا”!
وحكى أحد الأطباء لابنته زينب بأن والدها كان يرفض تسلم راتبه طيلة حياته من وزارة الصحة, ويصرفه على أى نفقات للمرضى والمستشفى, وعندما سألت زينب والدها عن هذا الأمر, قال لها:”ولماذا تسألين, وكيف أكشف سرا بينى وبين الله؟”.
كان الدكتور جبريل متمسكا بأرمنت, محبا لأهلها الكرام, وعندما عرض عليه شقيقه الدكتور عبد الحى الأستاذ بجامعة المللك عبد العزيز فى السعودية السفر للعمل هناك بعقد عمل يتجاوز شهريا 64 ألف ريال, تردد فى القبول, وبعد ضغط أولاده اشترط أن يبقى هناك لفترة عام فقط, ثم يعود إلى أرمنت,وذاع الخبر, وفى تمام السابعة صباح أحد أيام الجمعة, قدمت إلى منزله سيدة عجوز تدعى “فرحانة” من قرية الحسينات مركز العديسات, وبكت كثيرا, وقالت له: من للفقراء من بعدك, فسالت الدموع من عينيه, وأقسم ألا يغادرأرمنت إلا إلى القبر, وانه لن يذهب ويتركها هى وأمثالها من الفقراء.
كان الدكتور جبريل بسيطا, يقوم بخدمة المحتاجين, ويذهب إلى بيوتهم ليلا دون أن يبلغ أحدا, وكان يقول دوما:”هذه تجارة بينى وبين الله ليس من حق أحد أن يعلم بها”!.
قام ببناء العديد من المعاهد الأزهرية والمساجد, وساعد فى بناء مستشفى أرمنت المركزى, وذاع صيته فى كل مكان, وعندما عرض عليه أن يتولى منصب رئيس مجلس مدينة أرمنت رفض, وقال:”إن السياسة والعمل التنفيذى سيشغلنى عن الفقراء”, وكان دوما يدعو ويقول:”اللهم احينى مسكينا , وأمتنى مسكينا, واحشرنى مع المساكين”.
كان يقوم بتنظيف المساجد يومى الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع, حيث يخرج من بيته بعد صلاة الفجر, ويأتى فى الصباح سعيدا, بينما تبدو ملابسه وكأنه كان يمارس عملاشاقا.
حكى أحد المسعفين فى مستشفى أرمنت أنه كان يذهب فى الخامسة بعد عصر كل يوم ليقوم بتنظيف المستشفى, وتحفيز العمال على ذلك, بل كان ينظف الأماكن التى كانوا يرفضون تنظيفها.
منذ سنوات أقعده المرض, ومؤخرا رحلت زوجته الفاضلة التى تحملت الكثير عن طيب خاطر, حيث كانت دائما تتمنى لنجلها عبد الحى أن يكون طبيبا ناجحا وبأخلاق والده, وبالفعل حقق لها حلمها, فأصبح يمضى على طريق والده فى كل شىء.
عندما رحل الدكتور جبريل بكاه الجميع, وأصدرت نقابة أطباء الأقصر بيانا عددت فيه بعض مناقبه وأدواره التى لاتنسى.
رحل الدكتور جبريل, وترك وراءه خمسة من الأبناء, لكن الواقع يقول إن كل من عرفه أو سمع عنه يتمنى أن يكون واحدا من هؤلاء الأنجال.
تحية إلى روح إنسان فى صورة ملاك يبعث فينا قيما ومبادىء لن تختفى أبدا برحيل الجسد.
حسنا مايفعله المجتمع من تحديد يوم للاحتفال بيوم اليتيم, وهو أول جمعة من شهر إبريل(غدا الخميس 3ابريل), ولقد سبق الاسلام كل العهود والمواثيق الدولية والمنظمات العالمية, فى الدعوة إلى إكرام اليتيم ورعايته والاهتمام بشئونه كلها, فكفالة اليتيم مشاركة وإسهام فى بناء المجتمع تسوده الرحمة والمحبة, خال من الحقد والكراهية, وهذا ماأكدته الايات القرآنية فى كثير من سورالقرآن الكريم, وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, يقول الله تعالى فى سورة البقرة متحدثا عن الإحسان إلى اليتامى:”ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فأخوانكم”, وفى سورة النساء:”واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى”, وأمرنا الله سبحانه وتعالى كما ورد فى سورة الضحى بعدم إهانته باى شكل من الأشكال فقال تعالى:”فأما اليتيم فلاتقهر”,ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”أنا وكافل اليتيم فى الجنةهكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا” رواه البخارى, وشريعة الإسلام دعت فى كل زمان ومكان, إلى رعاية اليتيم, وحفظه إلى أن يصبح قادرا على الاعتماد على نفسه والقيام برعاية شئونه, ومن فضل الله وتوفيقه للآنسان أن يحبب إليه كفالة الأيتام وخدمتهم ورعايتهم والسعى على مصالحهم, حيث من المعلوم أن اليتيم هو من فقد أبويه أو أحدهما ولايجد من يقوم على خدمته ورعايته والانفاق عليه, والله أمرنا برعايته والعناية به, والاحسان إليه وإكرامه والعطف عليه, وهذا كله سبب للفوز بالجنة والابتعاد عن النار.
أفكار التهجير والتوطين كانت دوما مطروحا إسرائيليا من خطة آلون إلى مشروع المثلث الذهبى لشيمون بيريز الذى طرح تحويل غزة إلى سنغافورة أخرى, وكلها لم تتحقق, الجديد هو أن يتبناها الرئيس الأمريكى, فهل فى مقدوره أن يحققها الآن؟!

زر الذهاب إلى الأعلى