مقالات الرأى

د. باسم المذحجي يكتب: الحوثيون بين مطرقة “العقوبات العسكرية” وسندان القانون العسكري اليمني والشرعة الدولية

منذ 2014 لم تعد اليمن مجرد أزمة داخلية. تحولت إلى حالة قانونية وعسكرية فريدة: جماعة مسلحة طائفية عابرة للحدود “غير  معترف بهادوليًا” تواجه في وقت واحد ثلاث جبهات. الأولى عسكرية ميدانية، والثانية قانونية وطنية، والثالثة شرعة دولية. 

هذه الورقة تحلل كيف أصبح الحوثيون محاصرين بين “مطرقة العقوبات العسكرية” و “سندان القانون العسكري اليمني” و “قواعد الشرعة الدولية”.

 أولاً: مطرقة العقوبات العسكرية.

مع تصاعد هجمات البحر الأحمر في 2023-2024، انتقل المجتمع الدولي من الشجب الدبلوماسي إلى الفعل العسكري المباشر. وولد ما يمكن تسميته “العقوبات العسكرية” ضد الحوثيين.

تتمثل هذه العقوبات في أربع أدوات. 

الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية التي استهدفت أكثر من 300 موقع عسكري لتدمير منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ وورش تصنيع الدرونز. 

عملية “حارس الازدهار” البحرية التي شاركت فيها 20 دولة لتأمين الملاحة في باب المندب. 

استهداف سلسلة الإمداد العسكرية عبر ضرب مراكز القيادة والسيطرة ومحطات الوقود المستخدمة عسكريًا. 

وأخيرًا العقوبات الاقتصادية المصاحبة التي شملت إدراج قيادات الجماعة على قوائم الإرهاب وتجفيف مصادر التمويل.

الهدف المعلن هو حماية حرية الملاحة. أما الهدف الاستراتيجي فهو رفع كلفة التصعيد إلى درجة تجعل الاستمرار في الهجمات خيارًا غير عقلاني.

 ثانياً: سندان القانون العسكري اليمني رقم 13 لسنة 1994م.

رغم الانقسام، (لا يزال قانون الجرائم والعقوبات العسكرية اليمني رقم 13 لسنة 1994م هو الإطار القانوني الوحيد المعترف به دوليًا). وتستخدمه الحكومة اليمنية لملاحقة كل من حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.وضع تحتها مائة خط*.

ويتشدد القانون بشكل كبير في “حالة الحرب أو الاستنفار”.

المادة 26 منه تنص على أن عقوبة إفشاء كلمة السر 3 سنوات في الظروف العادية. لكنها ترتفع إلى 7 سنوات في الميدان. *”في حالة الحرب أو الاستنفار أو المواجهة، أشد خطورة. فإفشاء كلمة السر مثلاً عقوبته 3 سنوات في الظروف العادية، وترتفع إلى 7 سنوات في الميدان، كما في المادة 26. لأن المعلومة في الحرب تساوي دماء.”* وبذلك تدخل إحداثيات السفن ومواقع الرادار وصور المواقع العسكرية تحت طائلة هذه المادة.

المادة 37 تعاقب بالإعدام كل من التحق بقوات دولة معادية أو سلم العدو معلومات. وهي المادة التي تستند إليها الحكومة لتوصيف الدعم العسكري الخارجي للجماعة.

المادة 38 تقضي بالسجن 10 سنوات كحد أدنى لكل من أفشى سراً عسكرياً. 

المادة 52 تعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل عسكري هرب من جبهة القتال وقت الحرب.

أما المادة 129 فهي الأخطر لأنها تغلق كل منافذ الإفلات. *”نصت المادة (129) من القانون العام على أن من حرض أو اشترك في اتفاق جنائي لارتكاب إحدى جرائم هذا الفصل أو شرع في ارتكابها، يعاقب بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة ولو لم يترتب على فعله أثر.”* 

*بمعنى أن مجرد الاتفاق على إفشاء سر، أو محاولة الحصول عليه وفشلت، أو تحريض شخص آخر على ذلك، عقوبته هي الإعدام ذاته. المشرع أغلق كل منافذ الإفلات.*

ثالثًا: سندان الشرعة الدولية – الأساس القانوني للتدخل.

بدون الشرعة الدولية لكانت الضربات عدوانًا على سيادة دولة. لكن واشنطن ولندن بنوا شرعيتهم على خمس ركائز أساسية.

الركيزة الأولى هي ميثاق الأمم المتحدة المادة 51. تنص على “الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس إذا اعتدت قوة مسلحة”. واعتبرت أمريكا أن استهداف 60 سفينة من جنسيات مختلفة هو اعتداء مسلح على مصالح دولية، مما يبيح الرد دفاعاً عن النفس الجماعي.

الركيزة الثانية هي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. المادتان 19 و39 تلزمان كل الدول باحترام حرية الملاحة في المضائق الدولية. وباب المندب مضيق دولي. وتعطيله يعتبر إخلالاً بقاعدة عرفية راسخة في القانون الدولي.

الركيزة الثالثة هي قرارات مجلس الأمن. القرار 2216 لعام 2015 فرض حظر سلاح على قيادات الحوثيين. والقرار 2722 لعام 2024 هو الأهم. فقد أدان صراحة هجمات الحوثيين على السفن التجارية واعتبرها تهديداً للسلم والأمن الدوليين، ودعا جميع الدول لاحترام حقوق الملاحة. هذا القرار منح غطاءً قانونياً دولياً للرد العسكري حتى بدون تفويض صريح باستخدام القوة.

الركيزة الرابعة هي القانون الدولي الإنساني المستمد من اتفاقيات جنيف. ويفرض مبدأين لا يمكن تجاوزهما. مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ التناسب بين الميزة العسكرية والخسائر المدنية المحتملة. وهنا يقع النقد الأكبر على الضربات، حيث تتهم منظمات حقوقية التحالف بإصابة أهداف مدنية، بينما ترد الدول بأن الحوثيين يستخدمون الدروع البشرية ويخفون أسلحتهم داخل المناطق السكنية.

الركيزة الخامسة هي نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. المادة 8 منه تعتبر مهاجمة السفن التجارية عمداً جريمة حرب. ورغم أن اليمن ليس عضواً في المحكمة، إلا أن النص يبقى سيفاً قانونياً مسلطاً على قيادات الجماعة.

وبذلك يكون الحوثيون وفق الشرعة الدولية مرتكبين لثلاث مخالفات كبرى. تهديد السلم والأمن الدوليين بموجب قرار 2722. الإخلال بحرية الملاحة بموجب اتفاقية قانون البحار. وارتكاب جرائم حرب محتملة بموجب نظام روما.

رابعًا: أين يتقاطع القانونان؟

يتقاطع القانون العسكري اليمني مع الشرعة الدولية في ثلاث نقاط جوهرية. 

الأولى في تجريم إفشاء الأسرار. فالقانون اليمني يعاقب عليها بالسجن والإعدام، والشرعة الدولية تعتبرها جريمة حرب إذا أدت إلى قتل مدنيين.

الثانية في تجريم التحريض. فالمادة 129 اليمنية تعاقب على مجرد النية، والقانون الدولي الجنائي يقر بمبدأ المسؤولية الفردية عن التحريض.

الثة في الهدف النهائي. القانون اليمني يريد حماية الدولة، والشرعة الدولية تريد حماية السلم العالمي.

هذا التقاطع جعل الحوثيين محاصرين قانونيًا من الداخل والخارج في آن واحد.

خامسًا: خاتمة وتحذير.

إن هذه النصوص ليست للزجر النظري. المشرع اليمني وضع عقوبة الإعدام ومصادرة الأموال لأن ضرر هذه الجريمة لا يقع على فرد، بل يقع على البلاد بأكملها. كلمة واحدة في غير موضعها، صورة جوية، موقع تمركز، كلمة سر، قد تسبب إضعاف جبهة كاملة.*

ذلك، فإن التحذير موجه للجميع، عسكريين ومدنيين: 

– لا تتداول أي معلومة عسكرية لم يصدر بها بيان رسمي.  

*- التزام الكتمان واجب دائم حتى بعد انتهاء الخدمة.*  

*- الإهمال جريمة، وحسن النية لا يعفيك.*  

*- من يعلم ويسكت شريك في الجريمة.*  

*- في زمن الحرب وخدمة الميدان، لا مجال للتساهل، والعقوبة مضاعفة.*

*حفظ أسرار الدفاع هو حفظ لدماء الجنود وأمن الوطن، والقانون في هذا الباب لا يعرف الرحمة لأن الخيانة فيه لا تعرف حدوداً لضررها.*

 سادسًا: إلى أين يتجه المشهد؟

هناك ثلاثة سيناريوهات. الأول استمرار الوضع الحالي من ضربات متقطعة ورد متقطع، وهو ما يعني استنزافًا طويلاً. الثاني تصعيد شامل لمحاولة كسر قدرات الجماعة كليًا، وهو خيار مكلف وخطير إنسانياًا. الثالث وهو الأرجح استخدام الشرعة الدولية كأداة ضغط للوصول إلى تسوية. أي ربط وقف العقوبات العسكرية بوقف الهجمات والدخول في مسار تفاوضي برعاية الأمم المتحدة.

الخلاصة.

اليمن في 2026 هو اختبار عملي لمدى فعالية القانون. لأول مرة نرى قانونًا وطنيًايعدم الخائن، وشرعة دولية تبيح الدفاع عن الملاحة، وعقوبات عسكرية تنفذ على الأرض في وقت واحد.

الحوثيون اليوم بين مطرقة العقوبات العسكرية وسندان القانون العسكري اليمني وسندان الشرعة الدولية. 

الضربة العسكرية قد توقف صاروخًا. لكن الشرعة الدولية وحدها، إذا استخدمت بحكمة، هي القادرة على وقف الحرب.

باحث استراتيجي يمني.

زر الذهاب إلى الأعلى