مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب : ‏(جهاز مستقبل مصر.. التنميه والاستدامه تمكين  المهمشين)

‏سجّل البرلمان المصري حالةً تستحق الإشادة والدعم، وتُصحِّح -ولو قليلًا- الصورة السيئة المستقرة في عقول الناس عن أدائه، ومدى جدارة وكفاءة أعضائه؛ وذلك بفضل ما شهده من مناقشات واعتراضات وتعديلات، أسفرت عن تجويد وضبط قانون (إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة)، الذي وافق عليه المجلس بجلسة ١٤ / ٧ / ٢٠٢٦.

‏حققت المناقشات تعديلات جوهرية على مشروع القانون المقدم للمجلس، تمكّن من تحقيق الشفافية والمحاسبة، والخضوع لرقابة مجلس النواب والجهاز المركزي للمحاسبات، وأيلولة أموال الجهاز.

‏مناقشات مجلس النواب -للأسف- شارك فيها عدد محدود من النواب المشهود لهم بالنشاط داخل المجلس دون غيرهم، كما شهدت جلسات الموضوع حالةً من التناغم والتوافق غير المسبوق بين نواب الأغلبية والأقلية؛ ليُخرجوا قانونًا يهدف إلى إعادة تنظيم الجهاز، ليصبح له شخصية اعتبارية مستقلة، واستقلال إداري ومالي وفني، مع تعزيز دوره في التنمية الزراعية والغذائية والاقتصادية. تضمّنت التعديلات رقابة برلمانية ومحاسبية أقوى، وإلغاء بعض الإعفاءات المطلقة والاستثناءات، وإمكانية نقل أصول وصناديق سيادية إليه تحت إشراف رئاسي.

‏ظهر جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كجهاز تابع لوزارة الدفاع، وتحت إشراف القوات الجوية، بموجب القرار الرئاسي رقم ٥٩١ لسنة ٢٠٢٢. يهدف إلى استصلاح الأراضي الصحراوية، وتعزيز الأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والتنمية المستدامة، ضمن مشاريع قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة، وسائر الأراضي المصرية القابلة للتنمية.

‏وقد أنجز الجهاز منذ إنشائه وحتى الآن ما لا يمكن بحال إنكاره، من إضافة مئات الآلاف من الأفدنة المستصلحة المنتجة (وتتضمن خطته استصلاح واستزراع ٤.٥ مليون فدان)، كما أقام مشروعات للتصنيع الزراعي، وصوامع تخزين، وصوبات زراعية، وإنتاج حيواني، ووفّر الآلاف من فرص العمل، وأقام شراكات عديدة للإنجاز عبر القطاع الخاص.

‏المفارقة أن النواب الذين عارضوا مشروع القانون، وانطلقوا من اتجاهات سياسية تميل إلى الاشتراكية، فكيف لا يتوافق هذا المشروع الذي يكرّس الملكية العامة للدولة، ويعظّم العائد منها، ويجعل نشاط الجهاز تحت رقابة برلمان الشعب -كيف لا يتوافق- مع اتجاهاتهم الاقتصادية المفترض دعوتها وتأييدها للملكية العامة، مع كفاءة الرقابة والمحاسبة؟

‏وبينما كان فيسبوك مصدر معلوماتنا حول الآراء التي عارضت القانون وانتقدته من عموم الناس، وكان مجمل انتقاداتهم أن كيانًا بهذه الصلاحيات سيكون حكومة موازية تنتزع صلاحيات الوزارات القائمة، بالإضافة إلى أنه يقضي على المنافسة وإتاحة الفرص للقطاع الخاص. وقد ردّ السيد رئيس الجهاز على ذلك بأن الجهاز ليس مستثمرًا، بل حاضنة للاستثمار الخاص وميسّرة له. وأما فيما يخص سَلْب اختصاصات الوزارات، فنرى أن الروتين الحكومي المُكَبِّل، الذي يقفز فوقه الجهاز بإجراءات ميسّرة وبسيطة وعبر منفذ واحد، يُعَدُّ أعظم إنجازات الجهاز، في وقت يُعد فيه تبسيط الإجراءات مع قانونيتها مطلبًا ملحًا لسرعة الإنجاز.

‏وحقق القانون خروج نشاط كبير من إشراف القوات المسلحة، وضمّ تبعيته إلى رئاسة الجمهورية، فإنه يعالج مطلبًا كان يتردد كثيرًا، فلا وجه لانتقاد الجهاز ونشاطه بحجة شكله وتبعيّته الجديدة، إلا الرغبة في النقد السلبي المحض.

‏نظريًا وحتى الآن، فإن الضبط التشريعي لقانون تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وسابقة خبرات الجهاز وإنجازاته، يقدمان جهةً بقدرات تستطيع تحقيق طفرات في الإدارة، وتحقيق إنجاز اقتصادي استثماري تشاركي، يمكن أن يقدم حلولًا للعلاج الاقتصادي، ويبقى دور المجلس الرقابي مكمّلًا لضبط أداء الجهاز.

‏ان تتحول اداره بعض اراض الدوله وتنميه ثرواتها من جه اداره بالدوله (الحكومه) الي جهاز تملكه وتديره الدوله فلا مساس بالمضمون وكان علي القانون فقط ان يضمن من الجهاز صيانه الاملاك الخاصه وتقنين وضع اليد الخاص في مناطق نشاطه.

‏.. يتبقى أن يتضمن البرنامج القادم للجهاز، مع توظيف قدرات القطاع الخاص الأكبر، دمجَ المستثمر الأصغر والفرد البسيط، ليكون متمكنًا وفاعلًا، ولو في أنشطة أقل، وبعيدًا عن التوظيف، لأن تمكين البسطاء أوفر وأنفع من إعالاتهم وعونهم، فهو يخرجهم من دائرة العبء إلى سعة الإضافة والعطاء، حيث إن تكلفة دعم التمكين وقتية ومستردة ومُضيفة للاقتصاد، بينما دعم الإعاشة عبء دائم ومعرقل.

‏في ظل مجتمع غالبيته من الفقراء، تصبح أسمى أهداف الاستدامة هي تمكينهم وانتشالهم من القلة والحاجة، والتنمية الحقيقية هي تنمية مواردهم ليقدموا قيمة مضافة، وإن امتدت أفكار الجهاز ومشاريعه إلى هذا الهدف، فإنه سيكون الإنجاز الأكبر والأهم.

زر الذهاب إلى الأعلى