مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: ذكريات علب الأسمنت

ذكريات الطفولة هي الوقود الأخضر المستدام الذي يساعدك على استكمال حياتك في التالي من عمرك ، ويكون سندك لمواجهة الحياة بوجهها القبيح ، وكلما كانت طفولتك ثرية بالذكريات الغضة السعيدة كلما زادت قدرة قلبك على المرور بأقل الخسائر من صراعات هذا العالم .

فنظرة إلى الوراء تكفي لطبطبة حانية على النفس وإشعال جذوة الأمل من جديد بأن القادم أفضل بإذن الله ، ومن أجمل وأحلى الذكريات التي يحتفظ بها الإنسان داخل طيات عقله ذكريات المصيف وتجمع العائلة لأيام لا تزيد عن الأسبوع ؛ للتمتع والترفيه وتخفيف أحمال ما مضى من أيام الدراسة والمذاكرة طوال العام ، وهنا اتحدث عن الطبقة الوسطى التي انتمي إليها عندما كان لها مكان في البناء الاجتماعي في مصر .

ذكريات تتشاركها أجيال كاملة عندما كانت الفروق بين الطبقات مازالت معقولة تقاس بمساحة الشاليه وليس بماركات اللبس والسيارات الفارهة والشواطىء الخاصة المغلقة على مالكيها فقط ، هذا المخزون من ذكريات المصايف الطيبة هو ما ننعاه في هذا المقال ، وننعى معه فرص أطفال الطبقات البسيطة في المجتمع والتي من المستحيل لها أن تنعم بيوم مثل تلك الأيام الآن .

كيف سيصنع هذا الجيل ذكرياته ؟! داخل علب الأسمنت المتحجرة ، أم وسط الشوارع المكدسة بالسيارات وأطنان العادم الخانقة؟! ، هل سيفسح له الخيال المساحة التي سرقها الواقع والتخطيط العمراني العشوائي على حساب اللون الأخضر في مدننا ؟! لا أعتقد .

إذن من المسئول ؟ ، من الذي جعل الاستمتاع بشواطئ بلادنا حصريا على الفئة التي تمتلك الملايين ؟ ، لماذا تحولت شواطيء المصريين إلى كتل خرسانية تمتد كالأفاعي في البحر مشتتة أمواجه لتحصيل ما في جيوب المصريين من رواتب مقابل رؤية البحر واستنشاق نسائمه ؟ ، من جعل مصيف العائلة محدد صارخ للتمييز الطبقي بين المصريين وكأننا لا نذهب للبحر إلا لاستعراض أصفار أرصدتنا في البنوك؟!! .

اللوم هنا ليس على المواطن أبدًا ، بل كل اللوم والمسئولية على من منح الفرصة كاملة وترك يد الرأسمالية تحدد ما يحمله أطفالنا من ذكريات لأحلى أيام حياتهم ، ويحرمهم من صناعة مخزون سعادة ينير لهم القادم من الأيام . هذا القادم الذي لا نعلم من أيضا سيسرقه من بين أيدينا ؟ .

زر الذهاب إلى الأعلى