مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: أيام هستيرية

بموفور من المحبة والتقدير اقتبس من أستاذي العزيز الأديب العبقري (ناصر عراق) اسم إحدى رواياته البليغة ( أيام هستيرية) ، حيث إن إحدى الزوايا التي تضيئها أحداث الرواية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمقال اليوم ، وهو الغش الالكتروني ، حيث تعرّف بطل الرواية على زوجته الثانية عبر السوشيال ميديا ، متجولًا في صفحتها الشخصية لينبهر بصورها وملامحها الجميلة وإطلالاتها البهية ، غير مدرك لتقنية الفلاتر وقدرتها العجيبة على تحويل ملامح الوجه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، ولعل ذلك يرجع إلى تجاوزه الستين من العمر وقلة خبرته بألاعيب السوشيال ميديا وتقنيات التصوير بها.

ورغم سعادتي بتصاريف القدر وسماحه لي بمقابلة كاتبي المفضل الأستاذ (ناصر عراق) قبل شهر رمضان الماضي بأيام ، لم يسمح الوقت لأسأله عن أمر مازال يشغل بالي حتى الآن ، لماذا لم يتراجع البطل في (أيام هستيرية )عن الارتباط بحسناء الفيس بوك المزيفة فور مقابلته إياها وإدراكه للتزييف الذي قامت به في شكلها وشخصيتها؟!! ، لكن إيماني بكرم الفرص يمنحني أملًا في مقابلة ثانية والحصول على إجابتي المنشودة .

ومن صفحات الروايات إلى الوقت الراهن الذي جعل الإنسان فريسة لخداع الصور وزوايا وفلاتر التصوير ، وأنا لا أتحدث هنا عن حالات فردية وإنما عن سمة عامة وفخ مشهور وقع الجميع فيه سواء من هو مقبل على الارتباط كبطل روايتنا ،أو من هو مقبل على الشراء وليس لديه وقت أو نية للف والدوران وتقييم الخيارات كما كنا نفعل بالماضي ، أو من هو مقبل على الاشتراك في دورات تعليمية ، وغيره وغيره من أبناء التكنولوچيا الحديثة ، الذين ينتظرون أن تطرق عليهم احتياجاتهم باب منازلهم دون تعب أو مجهود يُذكر.

نعم الإنسان دوما يركن إلى الراحة وكل ماهو سهل ، ولكن ألم تسمع يوما أيها الساعي إلى الراحة مقولة أجدادنا ” ما يأتي سهلا يرحل سهلا ” .

ولعل السهولة التي قصدها الآباء الأوائل هي عدم التحقق والتدقيق وبذل الجهد الذي يرفع قيمة ما أسعى للحصول عليه ، ما يدفعني بشكل لا إرادي للحفاظ عليه وعدم التفريط فيه ، إذن لا تحاول التعرف على العالم من خلال الصور ، لأن الصور لا تعكس طباع أو صفات شخصية ، الصور لا توضح روح المكان ولا تطلعك على چيرانك الجدد ، الصور لا توفر لك ملامسة الخامات لتستشعر متانتها وجودتها من عدمه ، الصور تخفي النواقص والعيوب ، تبرز فقط الواقع مجمدًا في لحظات في الغالب لا تمت للواقع بصلة .

والأدلة والحجج لا تعد ولا تحصى على صحة رؤية المقال ، فكم من زيجات فشلت كان اللقاء والتعارف فيها عبر غرف المنصات الالكترونية ، وكم من عمليات نصب تجارية تمت عبر صور وفيديوهات منمقة ومحادثات مجهولة لا تعرف حتى فيها حقيقة جنس من تتحدث معه ، وكم من أموال ضاعت للحصول على خدمة أو سلعة كانت وهمية .

يا بني آدم لما الاستسهال ؟! لمن ولماذا توفر طاقتك ومجهودك ؟! إذا لم تقدمها لنفسك ولمصلحتك ، لا تعش واقعًا من خلال منصات اجتماعية ، ولا تبنِ حياة على صفحات الكترونية ، قدّر روحك التي بين جنبيك أكثر من ذلك ولا تحرمها التعارف والاحتكاك والاختيار بل والفشل أحيانًا كثيرة ، لأن كل هذه الخبرات هي ما يصنع الإنسان ويبني شخصيته الفريدة المختلفة كبصمات الأصابع ، ويكفي ما نعيشه من أيام هستيرية .

زر الذهاب إلى الأعلى