مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب: ماذا وراء اجتماع وزراء الخارجية في عمّان؟

اجتماع وزراء الخارجية لدعم القدس وأماكنها المقدسة، الذي انعقد في العاصمة الأردنية عمّان، بمشاركة عدد من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها مصر والأردن والسعودية وفلسطين والعراق وباكستان، ليس اجتماعًا عاديًا، ولا يمكن قراءة انعقاده باعتباره مجرد اجتماع جديد لإدانة الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى.
فقراءة البيان الصادر عن الاجتماع، إلى جانب التحركات التي سبقته، تكشف أن القضية أصبحت أكبر من مجرد التعامل مع حادثة اقتحام أو إجراء إسرائيلي هنا أو هناك؛ فهناك شعور عربي وإسلامي متزايد بأن ما يجري في القدس والضفة الغربية يمثل محاولة تدريجية لإعادة صياغة الواقع السياسي والقانوني والجغرافي على الأرض.
ولهذا بدا أن الاجتماع يحاول الانتقال من الإدانة إلى آلية تحرك، ومن رد الفعل الموسمي إلى تحرك سياسي ودبلوماسي أكثر استدامة لمواجهة السياسات الإسرائيلية في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن بين أبرز المسارات التي برزت في الاجتماع: تكثيف التحرك مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول المؤثرة، وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وتطوير أدوات إعلامية وقانونية ودبلوماسية، إلى جانب الدفع نحو تحرك دولي أوسع في الأمم المتحدة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الاجتماع.
فالعرب لا يريدون أن يظل ملف القدس رهينة ردود الفعل بعد كل اقتحام أو تصعيد، وإنما يسعون إلى تحويله إلى ملف سياسي ودبلوماسي دائم، له أدوات تحرك ومتابعة على المستوى الدولي.
*****
لكن السؤال الأهم هو: ماذا وراء هذا التحرك الآن؟
الموقف المصري يستحق التوقف كثيرًا،فكلمة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري لم تتعامل مع القدس باعتبارها ملفًا منفصلًا عن بقية القضية الفلسطينية، وإنما وضعت ما يجري في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الضفة الغربية والدولة الفلسطينية.
فمصر ترى أن الخطر لا يكمن فقط في الإجراءات التي تستهدف الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى، وإنما أيضًا في التوسع الاستيطاني والضم التدريجي للأراضي الفلسطينية ، وما يترتب على ذلك من تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهذا مهم للغاية،لأن القاهرة تقول عمليًا إن المسألة ليست فقط :
من يدخل المسجد الأقصى؟ ومن يصلي فيه؟ وإنما السؤال الأكبر هو:
هل يجري القضاء تدريجيًا على إمكانية قيام الدولة الفلسطينية أصلًا؟
وهنا يتقاطع ملف القدس مع الضفة الغربية والاستيطان والضم ومستقبل حل الدولتين،فالقدس ليست ملفًا منفصلًا عن الضفة، والضفة ليست منفصلة عن مشروع الدولة الفلسطينية.
أما الموقف الأردني، فقد ذهب إلى أبعد من مجرد الإدانة السياسية، فوضع وزير الخارجية أيمن الصفدي الموقف في إطار يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة والولاية على القدس ومقدساتها، وأن إسرائيل قوة احتلال، وبالتالي لا تمتلك سيادة على القدس الشرقية، وأن المسجد الأقصى بمساحته الكاملة البالغة 144 دونمًا هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي صاحبة الولاية على إدارة شؤون المسجد.
ماذكره الصمدي ليس مجرد صياغة دبلوماسية،وإنما في جوهرها معركة على تعريف السيادة والولاية، فبينما تحاول إسرائيل توسيع مفهوم سلطتها الأمنية والسياسية في القدس، تسعى عمّان إلى تثبيت معادلة واضحة مفادها أن “الاحتلال لا يعني السيادة”.
وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للأردن، ليس فقط بسبب علاقته التاريخية والدينية بالقدس، وإنما أيضًا لأن أي تغيير جوهري في الوضع القائم للمقدسات ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن والاستقرار الأردني.
*****
اذا..لماذا تحرك الأردن الآن؟
هنا تبدأ القراءة السياسية الأهم ،
الأردن يشعر بأن هناك محاولة لتغيير قواعد اللعبة في المسجد الأقصى بصورة تدريجية،والخطورة ليست في الاقتحام منفردًا، وإنما في أن يتحول ما كان استثنائيًا إلى أمر اعتيادي، ثم يصبح الاعتيادي قاعدة جديدة.
والسيناريو الذي يخشاه الأردن والعرب يمكن أن يتدرج من اقتحام
وطقوس دينية و صلوات جماعية تفرض واقع جديد ، وتغيير تدريجي للوضع القائم.
ومن هنا جاءت التحذيرات الأردنية من استمرار الإجراءات الإسرائيلية في القدس والمسجد الأقصى قد يدفع المنطقة إلى صراع ديني واسع وخطير.
*****
لكن..لماذا مصر والأردن معًا؟
هنا تظهرأهمية الحضور المصري في اجتماع عمّان ، فمصر والأردن لديهما مصلحة استراتيجية مشتركة في منع انفجار القدس،والأردن معني مباشرة بالقدس والوصاية الهاشمية على مقدساتها،ومصر معنية مباشرة غزة والضفة الغربية والقدس، إضافة إلى الأمن الإقليمي بأكمله.
بالإضافة الى أن أي انفجار كبير في القدس لن يبقى داخل القدس،فقد يمتد تأثيره إلى الضفة الغربية، وغزة، والأردن، ثم إلى العالمين العربي والإسلامي.
والأخطر من ذلك أن انفجارًا واسعًا في القدس يمكن أن يدمر ما تبقى من فرص التهدئة السياسية، ويدفع المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد يصعب التحكم في مساراتها.
لذلك أرى أن مشاركة الوزير بدر عبد العاطي في اجتماع عمّان بهذا التوقيت له أهمية خاصة، فالقاهرة لا تريد أن تتحول القدس إلى شرارة لحرب دينية إقليمية، كما أنها تدرك أن تغيير الوضع القائم في القدس لن يبقى تأثيره محصورًا في الأراضي الفلسطينية.
اجتماع عمّان لا يمكن قراءته فقط باعتباره رد فعل على اقتحامات المسجد الأقصى،وإنما تحكمه ثلاثة ملفات تتحرك بالتوازي:
-الملف الأول: القدس.
محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات.
-الملف الثاني: الضفة الغربية.
التوسع الاستيطاني، والضم التدريجي، وتغيير الواقع الجغرافي على الأرض.
-الملف الثالث: مستقبل الدولة الفلسطينية.
فالخوف العربي لا يتعلق فقط بمصير مدينة القدس، وإنما بأن يؤدي تقطيع الضفة الغربية إلى مناطق منفصلة إلى جعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.
فإذا تغيرت معالم القدس، وتوسيع المستوطنات، وتمدد الضم، وتقطعت أوصال الضفة، فإن الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة لن يبقى مجرد خلاف سياسي حول الحدود، وإنما قد يتحول إلى سؤال حول إمكانية وجود الدولة نفسها على أرض الواقع.
ولهذا فإن اجتماع عمّان يجب أن يُقرأ في سياق أوسع من القدس وحدها،
إنه يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
*****
هل هناك تنسيق مصري ـ أردني ـ سعودي؟
هنا يجب أن نكون دقيقين،حتى الآن، لا توجد في المعطيات التي ظهرت ما يكفي للقول إن هناك تحالفًا ثلاثيًا جديدًا ومعلنًا خاصًا بالقدس،لكن هناك بالتأكيد تقارب في المواقف والمصالح ، وتحرك عربي وإسلامي مشترك لمواجهة تغيير الوضع القائم في القدس، وهو ما ظهر بوضوح في اجتماع عمّان.
ولا ينبغي أن نذهب إلى الحديث عن «تحالف سري» أو ترتيبات غير معلنة من دون أدلة موثقة، لكن في المقابل، من الصعب تجاهل أن القاهرة وعمّان وعواصم عربية وإسلامية أخرى تلتقي عند نقطة أساسية:
رفض فرض واقع جديد في القدس، ورفض تحويل الأمر الواقع الإسرائيلي إلى أمر واقع قانوني وسياسي.
في تقديري أن الاجتماع يحاول، ولو تدريجيًا، نقل الموقف العربي من:
رد الفعل على الانتهاكات إلى:
إدارة معركة سياسية ودبلوماسية مستمرة.
وهذا تطور مهم، لكن نجاحه لن يُقاس بقوة البيان الصادرعن الاجتماع، وإنما بما سيحدث بعده.
*****
هل ستتحول المواقف العربية والإسلامية من بيانات إدانة إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي حقيقي؟
هل ستنجح الدول العربية في حشد الدول المؤثرة داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن؟
وهل تستطيع أن تجعل تغيير الوضع القائم في القدس قضية دولية لها تكلفة سياسية وقانونية؟
هنا سيكون الاختبار الحقيقي.
فالمعركة المقبلة على القدس لن تكون فقط معركة حول ما يحدث داخل المسجد الأقصى، وإنما حول من يملك حق تغيير قواعد اللعبة في القدس، ومن يستطيع منع تحويل الأمر الواقع إلى واقع دائم.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد اجتماع عمّان ليس:ماذا قال وزراء الخارجية؟ وإنما:ماذا سيفعلون بعد أن انتهى الاجتماع؟
لأن القدس لا تحتاج إلى بيان جديد بقدر ما تحتاج إلى آلية تحرك عربية وإسلامية قادرة على وقف تغيير الواقع قبل أن يصبح التراجع عنه مستحيلًا.

زر الذهاب إلى الأعلى