مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب : أنا الزعيم ..”وهم ترامب ” في زعامة مطلقة !

مازال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمارس الغطرسة ويحلم بالزعامة المطلقة ، فقد فاجأ قادة الدول السبع الكبرى حين دخوله قاعة الاجتماعات بالقول : أنا الزعيم ، لتضج القاعة بضحكات الرؤساء ..فهل كانت الكلمة مزحة .. أم أنها تعبير عن غطرسة القوة و وهم الزعامة المطلقة؟
وبصيغة أخرى.. هل ما زالت واشنطن تحكم العالم؟
تصرف ترامب أمام قمة السبع ، وكأنه “الزعيم” أمام قادة أكبر الاقتصادات الغربية، مشهد لا يعكس فقط شخصية سياسية تميل إلى الاستعراض، ويكشف عن عقلية أمريكية راسخة تعتبر أن الولايات المتحدة ما زالت مركز العالم وصاحبة الكلمة الأخيرة في السياسة والاقتصاد والأمن الدوليين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت واشنطن بالفعل القوة المطلقة القادرة على فرض إرادتها على الجميع؟ أم أن العالم بدأ يتحرك تدريجياً نحو نظام أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز النفوذ؟
لا أحد يستطيع إنكار أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وأقوى شبكة تحالفات عابرة للقارات، ونفوذاً مالياً هائلاً عبر الدولار والمؤسسات الاقتصادية الدولية.
غير أن هذه القوة لم تعد مطلقة كما كانت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. فصعود الصين اقتصادياً، وعودة روسيا لاعباً استراتيجياً، واتساع نفوذ قوى إقليمية كالهند وتركيا والبرازيل ودول أخرى، كلها مؤشرات على أن النظام الدولي يشهد تحولات عميقة.
ومع ذلك، فإن واشنطن ترفض الاعتراف الكامل بهذه التحولات، وتتعامل مع العالم بمنطق القطب الأوحد الذي يحق له تحديد المسموح والممنوع، ومن يحق له امتلاك القوة ومن يجب أن يخضع للعقوبات والحصار.
تعتمد واشنطن على اقتصاد الحروب لفرض الهيمنة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتبط النفوذ الأمريكي ارتباطاً وثيقاً بالصناعات العسكرية الضخمة.
فالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي لا يعيش على السلام، بل يزدهر في أجواء التوتر والصراعات والأزمات، وكلما اشتعلت بؤرة نزاع جديدة، ارتفعت مبيعات السلاح، وازداد الطلب على الأنظمة الدفاعية والقواعد العسكرية والخدمات الأمنية.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن واشنطن لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تستفيد من استمرارها، و الصراع في أوروبا، والتوترات في الشرق الأوسط، والمواجهات في آسيا، كلها أسواق مفتوحة لصناعة السلاح الأمريكية.
والنتيجة أن الحروب أصبحت بالنسبة للبعض صناعة مربحة بقدر ما هي مآسٍ للشعوب التي تدفع الثمن من دمائها واقتصاداتها واستقرارها.
وتستخدم واشنطن العقوبات والحصار أسلحة في دعم قوتها العسكرية ،لكنها
لم تعد وحدها هي وسيلة النفوذ الأمريكي، وإنما تمتلك واشنطن منظومة واسعة من أدوات الضغط الاقتصادي، تبدأ بالعقوبات المالية ولا تنتهي بتجميد الأصول ومصادرة الأموال وفرض القيود التجارية، وسرقة أموال الدول كما حدث في العراق وليبيا ومناطق الصراع .
وقد تحولت العقوبات إلى سلاح سياسي تستخدمه الولايات المتحدة ضد خصومها أو الدول التي ترفض الانصياع لسياساتها.
لكن المفارقة أن هذه الأدوات، التي كانت فعالة لعقود طويلة، بدأت تدفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل للدولار وللنظام المالي الغربي، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تقليص النفوذ الأمريكي نفسه.

المفارقة أن قمة السبع، رغم أهميتها الاقتصادية والسياسية، لم تعد تمثل العالم بأكمله، فالدول الصاعدة التي تضم غالبية سكان الأرض ليست أعضاء في هذا النادي الغربي المغلق. كما أن التكتلات الجديدة تحاول تقديم نفسها باعتبارها صوتاً بديلاً للدول النامية والاقتصادات الصاعدة.
ومع ذلك، لا تزال واشنطن تتعامل مع هذه القمة باعتبارها منصة لإعادة إنتاج القيادة الغربية للعالم، حتى وإن كانت موازين القوى العالمية تتغير يوماً بعد يوم.
ورغم الحديث المتزايد عن عالم متعدد الأقطاب، فإن الانتقال من الهيمنة الأمريكية إلى نظام دولي أكثر توازناً ليس أمراً سهلاً أو سريعاً، فما زالت
الولايات المتحدة تمتلك أدوات هائلة للنفوذ العسكري والاقتصادي والإعلامي والتكنولوجي.
لكن المؤكد أن العالم الذي كانت فيه واشنطن تصدر الأوامر للجميع دون منافس لم يعد قائماً بالشكل نفسه،وانما دخل النظام الدولي مرحلة صراع بين مشروعين: مشروع أمريكي يسعى للحفاظ على موقعه كقائد أوحد للعالم، ومشروع آخر تقوده قوى صاعدة تريد توزيع النفوذ وإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية.
وفي قلب هذا الصراع يقف ترامب معبراً عن عقلية القوة الأمريكية التقليدية،عقلية ترى أن القيادة حق مكتسب، وأن العالم يجب أن يدور في الفلك الأمريكي.
غير أن التاريخ يعلمنا أن القوة مهما بلغت لا تبقى أبدية، وأن الأمم التي تعتقد أنها تحكم العالم إلى الأبد تكتشف عاجلاً أم آجلاً أن موازين القوى لا تعرف الثبات، وأن الغطرسة غالباً ما تكون بداية التراجع لا عنواناً للانتصار.
وأعتقد أن البلطجة السياسية والغطرسة الأمريكية لا تولد إلا بوجود رؤساء ودول تخنع لهذه البلطجة، وتدفع التريليونات مقابل حماية هشة ،سرعان ما تسقط أمام قادة ودول آمنت بوجودها وعقيدتها وقاتلت حتى النصر .

زر الذهاب إلى الأعلى