مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: اختيار الصديق أخطر من اختيار الشريك

نحن نقضي وقتًا طويلًا في اختيار شريك الحياة، نسأل عن أخلاقه وطباعه وطريقة تفكيره، ونحاول أن نعرف كيف يتعامل في الغضب والاختلاف، وكيف يحب، وكيف يواجه الأزمات، وكأننا ندرك أن اختيار الشخص الذي سيشاركنا حياتنا ليس أمرًا عابرًا، لكن الغريب أننا أحيانًا نختار أصدقاءنا بلا أي حساب، نفتح لهم أبوابنا سريعًا، نمنحهم أسرارنا، نضعهم في تفاصيل حياتنا، نحكي لهم عن أحلامنا ومخاوفنا ونقاط ضعفنا، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أن بعض من أطلقنا عليهم اسم «أصدقاء» لم يكونوا يومًا كذلك، بل كانوا فقط يجيدون ارتداء قناع الصداقة.

فالصديق الحقيقي لا يحتاج إلى منافستك كي يشعر بقيمته، ولا ينزعج من نجاحك، ولا يتمنى تعثرك حتى يشعر بأنه أفضل منك. أما الصديق المتلون، فيقترب منك بوجه، ويغادر بوجه آخر، يبتسم لك بينما يراقبك، يسمع تفاصيلك لا ليطمئن عليك، بل ليعرف أين تؤلمك، وأين يمكن أن يضربك إذا اختلفتما يومًا. تظنه قريبًا، بينما هو يدرس حياتك، تظنه سندًا، بينما هو ينتظر لحظة سقوطك، تظنه سعيدًا من أجلك، بينما كل نجاح تحققه يوقظ داخله غيرة حاقدة لا يستطيع إخفاءها طويلًا.

والغيرة ليست دائمًا صريحة، أحيانًا تأتي في صورة نصيحة، وفي كلمات تبدو حريصة عليك، لكنها في حقيقتها محاولة لتصغيرك. «أنا خايف عليك»، «أنتِ بتثقي في الناس بسرعة»، «هو مش مناسب لك»، «أنتِ واخدة الموضوع أكبر من حجمه»، ثم تكتشف مع الوقت أن كل نصيحة كانت محاولة لإبقائك في مكانك، وكل تحذير كان خوفًا من أن تتقدم، وكل كلمة بدت حريصة عليك كانت تحمل في داخلها رغبة خفية في ألا تصبح أفضل، وألا تصل إلى مكان لا يستطيع هو الوصول إليه.

هناك من لا يفرح عندما تنجح، بل يبدأ في البحث عن سبب يقلل به نجاحك، لا يقول لك «أنا فخور بك»، بل يقول «أنتِ محظوظة» أو «الموضوع جه بالصدفة» أو «غيرك عمل أكتر منك»، وكأن فرحتك تهديد له، وكأن نجاحك ينتقص منه، وكأن وجودك في مكان جيد يضعه هو في مكان أقل. وهنا تعرف أن بعض الناس لا يريدونك أن تفشل لأنهم يكرهونك فقط، بل يريدونك أن تفشل لأن نجاحك يكشف لهم ما لم يستطيعوا أن يكونوه.

والأخطر من الصديق الغيور هو الصديق الذي ينتقم. ذلك الذي إذا اختلفت معه لم يكتفِ بالابتعاد، بل بدأ في استخدام كل ما عرفه عنك ضدك. الأسرار التي ائتمنته عليها تصبح حكايات، والمواقف الخاصة تصبح مادة للكلام، والأخطاء القديمة تتحول إلى أسلحة، وكل لحظة ضعف شاركتها معه بحب تصبح في لحظة غضب طعنة. عندها تدرك الحقيقة القاسية، وهي أن ليس كل من عرف أسرارك كان يستحقها، وليس كل من شاركك الضحك كان يحبك، وليس كل من وقف بجانبك كان يتمنى لك الخير.

هناك من يقترب منك لأنه يحبك، وهناك من يقترب منك لأنه يريد أن يعرف كيف يؤذيك إذا لم تعد العلاقة تخدم مصالحه. ولهذا فإن اختيار الصديق ليس أمرًا عابرًا، فالصديق ليس شخصًا تقضي معه الوقت فقط، بل قد يصبح صوتًا داخل رأسك، قد يرفعك أو يحبطك، قد يجعلك ترى نفسك أجمل وأقوى وأقدر، وقد يقنعك ببطء أنك لا تستحق شيئًا. قد يفتح لك بابًا نحو الحياة، وقد يدفعك إلى طريق لم تكن لتسلكه وحدك.

لذلك لا تختَر صديقك لأنه يضحك معك فقط، فالضحك سهل، والكلام أسهل، والاقتراب من الآخرين لا يحتاج دائمًا إلى نية صادقة. انظر إليه عندما تنجح، عندما تكون في أفضل حالاتك، عندما يراك تتقدم وتحقق ما تمنيت، هل يفرح لك حقًا أم يحاول أن يقلل من فرحتك؟ وانظر إليه عندما تختلف معه، هل يحترمك عندما لا توافقه أم يتحول إلى شخص آخر؟ وانظر إليه في غيابك، هل يحفظ سيرتك كما يحفظ حضورك؟ وانظر إليه في لحظات ضعفك، هل يحنو عليك أم يحتفظ بضعفك ليستخدمه ضدك يومًا؟

الصديق الحقيقي قد يختلف معك، لكنه لا يهينك، وقد يغضب منك، لكنه لا يفضحك، وقد يبتعد، لكنه لا يشوهك، وقد تنتهي الصداقة، لكن أخلاقه لا تنتهي معها. أما الصديق المزيف فقد تحتاج أحيانًا إلى خسارته حتى تنقذ نفسك، فبعض العلاقات لا تنتهي لأنك سيئ، بل لأنها كانت قائمة على مصلحة، وبعض الأشخاص لا يتغيرون فجأة، بل يسقط القناع فجأة، وبعض الخيانات لا تبدأ يوم الغدر، بل تبدأ يوم تكتشف أنك كنت وحدك من يرى العلاقة كما ينبغي أن تكون.

لا تمنح لقب «صديق» بسهولة، فالصداقة ليست عدد سنوات، قد تعرف شخصًا عشرين عامًا ولا تعرفه حقًا، وقد تلتقي بإنسان منذ أشهر فتشعر معه بأمان لم تمنحه لك سنوات طويلة. الصداقة ليست في طول المعرفة، بل في صدق المواقف، وليست في كثرة الكلام، بل في حفظ الغياب، وليست في كثرة الصور والضحكات، بل في أن تطمئن إلى أن ظهرك لن يُطعن من المكان الذي ظننته آمنًا.

اختر صديقك كما تختار شريك حياتك، وربما بحذر أكبر، فشريك الحياة قد تكتشفه مع الوقت، أما الصديق فقد تمنحه أنت مفاتيحك بنفسك. فلا تعطِ مفاتيح قلبك وعقلك وأسرارك لمن يجيد فقط فتح الأبواب. اختر من إذا رأى نورك لم يحاول إطفاءه، ومن إذا عرف ضعفك لم يستخدمه ضدك، ومن إذا اختلف معك لم يتحول إلى عدو، ومن إذا انتهت المسافة بينكما لم يحوّل ما كان بينكما إلى سلاح.

فالصديق الحقيقي نعمة لا تُقاس بكثرة السنين، بل بصدق الأمان، أما الصديق المتلون فهو أخطر من عدو واضح الوجه، لأنك تعرف من أين يأتيك أذى العدو، أما المزيف فيجلس إلى جوارك، يبتسم لك، يحفظ أسرارك، يعرف نقاط ضعفك، ثم ينتظر اللحظة التي يستخدم فيها كل ما عرفه عنك ليؤذيك.

لذلك لا تختر من يرافقك في الطريق فقط، اختر من تأمن أن يمشي معك دون أن يطعن ظهرك، لأن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليكونوا أصدقاء، بل يدخلونها ليتعلموا كيف يؤذوننا عندما تنتهي مصالحهم..

زر الذهاب إلى الأعلى