راندا الهادي تكتب: وحدة الألم

لا عجب أن تجد صدق المشاعر والإخلاص اللامتناهي في من يتشارك معك نفس الألم والمعاناة ، ولما لا فقد شرب من نفس الكأس التي تتجرع منها ، لذا ستجد من عانى من فقدان حبيب سواء بالموت أو بالفراق في مقدمة صفوف المواساة ، والأغرب أنه لن يتحدث لينصح ، بل سيكتفي بالجلوس معك واحتضانك والاستماع ، أتدري لماذا ؟ لأنه مرّ من هنا وأدرك أن غصة القلب تحتاج لكتف وصمت ، فهي ندبة لا يشفيها الكلام .
ومن عانى والداه أو أبناؤه – عافانا وعافاكم الله – من مرض ما ، ستجده أول المبادرين بالعون والرحمة والمساعدة بكل أشكالها لمن يعاني من ذلك المرض ، لأنه تجرع تلكم الكأس واحتوى مرارتها .
قد يرى البعض أننا بشر وهذا بديهي أن نتشارك الآلام ، سأجيبك : بلا ؛ لأن هذه الطبيعة شحت تلكم الأيام لإعوجاج في التربية ، أو الجهل بتعاليم الدين ، وقسوة الظروف الاقتصادية ؛ لا تتعجب … فقد تدفع الحاجة البشر إلى التخلي عن القيم وخلع الأخلاق وارتكاب أسوء الأفاعيل في حق غيرهم .
وهنا نصل – كما يقولون – لمربط الفرس ، لماذا هذه المشاركة الوجدانية العميقة والاتساق الفكري والتوجه الأقرب إلى العقيدة بين مصر وفل- سطين في عداوة الكيان الصهيوني ، بدرجة قد لا تصل لها دول قريبة نشاركها الدين واللغة ، وهنا من وجهة نظري تتجلى وحدة الألم ، فقد اعتدى علينا المحتل نفسه وذقنا مرارة الخسارة ، وقسوة اغتصاب الحق ، لذا هذا الإحساس العميق والغضب المستعر لم يأت من فراغ ، فلا عجب مما حدث في كأس العالم ٢٠٢٦ ، ولا عجب من غضبة أصحاب الأرض والمصير الواحد ، فالقضية عقيدة تتوارثها الأجيال ، لا تموت مهما طال الزمن ، إن اضمحلت شعلتها تحت الركام يبعث الله ما يحييها من أحداث وبشر .
إذن لا مجال للعجب والدهشة من هذا الحب العربي والدعم الممتد من الخليج للأطلسي لمصر ، والذي شهدنا أبهى صوره في دعم مسيرة المنتخب المصري خلال مونديال ٢٠٢٦ ، لأن الشعوب تعي الدور المصري مهما حاول الساسة وأصحاب المصالح طمسه وتشويهه عن عمد ، لذا أعجبتني مقولة أحد المحللين لعالم الساحرة المستديرة عندما قال : ما تدمره السياسة تبعثه الملاعب الخضراء .










