مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: كيف تهزم الحياة… دون أن تحاربها

ليس السؤال الحقيقي في هذه الحياة: لماذا نتألم؟
فالألم قدرٌ يمر على الجميع، لا يفرق بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا هو: لماذا يخرج بعض الناس من المحنة أكثر قوة، بينما يخرج آخرون منها وقد فقدوا أنفسهم؟
الفرق ليس في شدة ما مروا به، بل في الشيء الذي كان يسكن داخلهم.
هناك من يبني حياته على ما يملكه، فإذا فقده انهار. وهناك من يبنيها على ما يقوله الناس عنه، فإذا تغيرت آراؤهم ضاع. وهناك من يربط سعادته بوجود أشخاص، فإذا رحلوا شعر أن الحياة انتهت.
لكن الإنسان الذي يبني نفسه من الداخل، لا يصبح أسيرًا لكل ما يتغير من حوله.الثقة بالنفس ليست أن تقول: “أنا أستطيع فعل كل شيء”، فهذا وهم. الثقة الحقيقية أن تقول: “قد أعجز اليوم، لكنني أتعلم. قد أسقط، لكنني سأقف. قد أخطئ، لكن خطئي لن يكون نهاية قصتي.”

إنها علاقة صادقة مع النفس، ترى فيها عيوبك دون أن تحتقر ذاتك، وتعترف بنقاط ضعفك دون أن تسمح لها بأن تقود حياتك.
أما الثبات الداخلي، فهو ذلك الهدوء الذي لا يشتريه المال، ولا تصنعه الشهرة، ولا تمنحه المناصب. إنه أن تبقى واقفًا عندما تتساقط الأشياء من حولك، وأن تحتفظ بمبادئك حين يصبح التنازل أسهل، وأن تظل إنسانًا محترمًا حتى مع من لم يحسنوا إليك.
كل يوم تمتحنك الحياة بطريقة مختلفة. مرة بالخسارة، ومرة بالنجاح، ومرة بالانتظار، ومرة بالخذلان. والغريب أن النجاح أحيانًا يكون امتحانًا أصعب من الفشل، لأن الفشل يعلمك التواضع، أما النجاح فقد يسرق منك نفسك إذا صدقت أنك أكبر من الحقيقة.

والسلام النفسي لا يعني أن تختفي المشكلات، بل أن تختفي الفوضى التي تحدثها المشكلات داخلك.
أن تنام وقلبك خفيف، لأنك لم تؤذ أحدًا، ولم تحمل حقدًا، ولم تجعل الكراهية تسكن روحك.
أن تدرك أن ليس كل معركة تستحق أن تخوضها، وليس كل كلمة تستحق ردًا، وليس كل خسارة تستحق أن تبكي عليها.كم من إنسان أنهك نفسه وهو يحاول إقناع الآخرين بقيمته، بينما القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج. الشمس لا تعلن كل صباح أنها تشرق، والورود لا تطلب من أحد أن يصف جمالها، والبحر لا يرفع صوته ليقنع الناس بعظمته.

الأشياء العظيمة تثبت نفسها بهدوء.

ولهذا، لا تجعل حياتك سباقًا لإرضاء الجميع، لأن من ينتظر رضا الناس سيظل يركض حتى آخر عمره دون أن يصل. عش بما يرضي ضميرك، وتمسك بما يرضي ربك، واترك للناس حق الاختلاف كما تترك لنفسك حق السلام.

ولا تخف من البداية من جديد، فالبدايات ليست دليلًا على أنك تأخرت، بل دليل على أنك امتلكت شجاعة المحاولة مرة أخرى. الأشجار لا تخجل من سقوط أوراقها، لأنها تعرف أن الربيع سيأتي، والليل لا يخاف من طوله، لأنه واثق أن الفجر وعد من الله.

كذلك الإنسان… كلما امتلأ قلبه يقينًا بالله، خفّ خوفه من الحياة. ومن عرف أن الله لا يضيع تعبًا، ولا يكسر عبدًا إلا ليجبره، ولا يغلق بابًا إلا لحكمة، عاش مطمئنًا ولو كانت الدنيا كلها تضج من حوله.

ابنِ نفسك قبل أن تبني أحلامك، لأن الأحلام تحتاج إلى إنسان ثابت يحملها. وربِّ روحك قبل أن تطلب النجاح، لأن النجاح بلا سلام نفسي قد يتحول إلى عبء. واجعل علاقتك بالله هي الجذر الذي تستمد منه قوتك، فكل شجرة انقطعت عن جذورها لا تسقط فجأة، لكنها تذبل بصمت.

وفي النهاية…

لن تتذكر الحياة كم مرة ربحت، ولا كم مرة خسرت، بل ستتذكر الإنسان الذي أصبحت عليه بعد كل ما مررت به.

فاحرص أن تكون كل محنة تعبرها، سببًا في اتساع قلبك، ونضج عقلك، وسمو روحك. فهذه هي القوة التي لا تُهزم، وهذا هو الانتصار الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه منك …
“أقوى إنجاز قد تحققه في حياتك… أن تصبح إنسانًا لا تمنحه الدنيا قيمته، ولا تستطيع الدنيا أن تنتزعها منه”

زر الذهاب إلى الأعلى