مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب: ‏ ‏(الدهابة: آه… من يسمعنا!)

‏أصوات أنين مكتوم تملأ الفضاء في مناطق الدهابة بمحافظة أسوان إثر قيام أجهزة إنفاذ القانون بعملية أمنية موسعة لضبط المتسللين عبر الحدود، وكبح عمليات التنقيب العشوائي عن الصخور الحاملة للذهب في المناطق التي تمتد بعمق الجبال البركانية بمحاذاة البحر الأحمر، من خط الحدود الجنوبية حتى مناطق رأس غارب شمالًا، وباختلاف شهرة هذه المناطق وغنى جبالها بالصخور الحاملة للذهب.ش

‏ التنقيب العشوائي كان يتم بالمخالفة للقانون، ويقع مرتكبوه تحت طائلة القانون – وهذا ما يدركه الجميع – وقد حذرهم المنطق والناس من أن الدولة قادرة على ضبط الأمور وحماية مقدراتها، وربما تأخر التحرك جاء وفقًا لأولوياتها. ومع أن الموضوع أصبح أمرًا واقعًا، فإنه لم يصحح المركز القانوني المخالف للنشاط ومن يعملون به.

‏أسفر هذا الأمر الواقع عن نقاط إيجابية تمثلت في إتاحة فرص عمل وأبواب رزق لملايين (دون مبالغة)، شملت أصحاب الأحواض الذين بذلوا ما يستطيعون من نفقة غالية وجهد بالغ. ومعهم انتعشت فرص أعمال النقل والتجارة، وتشغيل المعدات الثقيلة، ومئات الآلاف من فرص العمل في أعمال التشغيل والبناء والحراسة وتنقية الذهب وتجارة مواد البناء والمواد الداخلة في الصناعة مثل السيانيد والفحم النشط والصودا الكاوية. كما أسفر النشاط عن اكتساب خبرات كبيرة في هذه الأنشطة، وقضى كليًا على البطالة في تلك المناطق، وجذب أيدي عاملة واستثمارات من مناطق أخرى.

‏يمر مسار النشاط العشوائي بالمراحل التالية:
‏مناطق الاستخراج: يضع اليد عليها سكان المناطق الصحراوية أو من كانوا تاريخيًا سكانها، ويضاف إليهم أصحاب القوة والبلطجية الذين يسيطرون على مناطق الاستخراج _ وهم المستفيد الاكبر الذي يحصل علي كسب بلا جهد ولانفقه _ويمنحون فرص استخراج الصخور الحاملة للذهب من عروق المرو. يكون العمل إما بالطواحين المائية في استخلاص فيزيائي، أو أغلفة العروق الحاملة لذهب ميكروني يُستخلص كيميائيًا في أحواض تستخدم فيها السيانيد أو مشتقاته. ويحصل من يضعون أيديهم على تلك المناطق على إتاوات ضخمة تفوق بأي حال ما يمكن أن تحصل عليه الدولة لو تم تقنين النشاط.

‏المياه عنصر أساسي في أي عمليات استخلاص للذهب (فيزيائيًا أو كيميائيًا)، لذا يتم نقل الخامات المستخرجة من الجبال بنشاط نقل هائل إلى مناطق قريبة من وادي النيل لتوفر المياه وأماكن الخدمات، وقربها من العمالة .

‏الذهب المستخلص عبر عمليات مرهقة ومكلفة، وفي ظروف بيئية قاسية، يتم بيعه في السوق المحلي، بمعنى أنه يصب في أرصدة الذهب داخل الدولة.

‏الخامات التي يعمل عليها اصحاب النشاط اغلبها يحتوي علي متدنيه من الخام قد لاتتجاوز جرام واحد للطن والعمل عليها من قبل نشاط صناعي كبير لشركات قد لايكون مجدي بالنسبه للشركات لتعاظم تكلفه التشغيل بها مقارنه بالدهابه الذين ينفذون بتكلفه أقل.

‏المعضلة والحل…

‏أسفر النشاط في مجمله عن فرص تشغيل وأبواب رزق أغنت عن البطالة، وحققت رواجًا واستقرارًا اجتماعيًا واقتصاديًا على مستوى العاملين بالنشاط ومحيطهم لذلك فإن وقفه يتطلب تحسبًا شديدًا لنتائجه، ويوجب ضرورة التصحيح.

‏بعد توقف النشاط بفعل حملة إنفاذ القانون، بدأ العاملون فيه يصلون إلى يقين تام بضرورة جعل مسار نشاطهم قانونيًا، بعيدًا عن المخالفة، ضمانًا للاستدامة، وحماية من مخاطر التعرض للمساءلة والمداهمات الأمنية، واتقاءً لضرر اجتماعي واقتصادي وأمني حال توقف النشاط وتسريح العاملين فيه. لكن هذا اليقين لم يتجاوز حالة أسى وهمسات واتهامات ومنشورات وتراشق على فيسبوك وأحاديث سمر حزينة ومنتقده.

‏اعظم المشكله يتمثل في افتقاد أصحاب المشكلة إلى أي قناة أو شخص يحمل صوتهم إلى جهات الاداره الرسميه صاحبه  الولاية على الأرض_ وزارة البترول وهيئة الثروة المعدنية_ لوضع المشكلة على طاولة تملك الحل. ويتمثل الحل في حاضنة تضمن الأمن والاستدامة للنشاط، وحفظ حق الدولة باستبدال منح الإتاوة لجهات الولاية بدلاً من واضعي اليد غير الشرعيين، وطرح الاستثمار بمناطق صغيرة لمستثمرين أقل في قدراتهم المالية – بدلاً من مناقصات بشروط تعجيزية أو تصاريح ورقية بقيم تفترض إنتاجًا قد لا يكون – ودعم ومراقبة المشتغلين فنيًا بما يضمن التوجيه إلى أسلوب علمي للحفر والتنقيب والاستخلاص، بما يحقق عدم تدمير بيئة الاستخراج، وتعظيم ناتج الاستخلاص.
‏الحلول المطروحه كثيره لو وجدت النيه لها واحدها أن تكون الإتاوة بنسبة على الناتج (وزن البيع) وليس على حمولات لا تعرف نسبة الخام فيها بدقة، وأن تتولى الشراء جهات تابعة للدولة أو مرخص لها منها لضمان إيلوله  الذهب إليها، وأن تشمل الرسوم والضرائب في خطوة واحدة على النشاط، مع تبسيط الإجراءات وتسجيل القائمين على النشاط ومناطقهم.
‏ويجب ضمان اليات تحقق عدم تغول مقدمي خدمات النقل والمعدات  وتجار مواد الاستخلاص باسعار تستغل الحاجه اليهم واضطرار المشتغلين اليهم.
‏الأمر يستحق أن يُطرح بجدية، وأن يكون له حل سريع وناجز يضمن احتواء موضوع يتعيش منه ملايين بما يحقق استقرارا اجتماعيه واقتصاديه وامنيه وقيمه مضافه مع احترام مقدرات الدولة وصيانة ثرواتها وحفظ أبنائها.

زر الذهاب إلى الأعلى