مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب : ‏ ‏«من يدفع يشاهد.. الرأسمالية تتوحش على المشاهد»

‏في أوبريت «الليلة الكبيرة» للرائع الراحل صلاح جاهين، الذي لحنه الموسيقار الراحل سيد مكاوي، وردت العبارة الشهيرة: «اللي يشرب راح يقعد، واللي ما يشربش يبعد». قالها نادل مقهى يقدم فقرات غناء ورقص، فانصرف بحسرة من كان يتلصص المشاهدة وليس لديه ثمن مشروب كقيمة مقابل المشاهدة.

‏ربما لا يوجد عدد كبير من عشاق «الساحرة المستديرة» (كرة القدم) — اللعبة الأكثر شعبية في العالم — ممن لا يهتمون بمتابعة مباريات كأس العالم (المونديال)، ذلك الحدث الذي يتكرر كل أربع سنوات، وتنتظره الجماهير على أحر من الجمر. إنه قمة الإثارة والمتعة الكروية عالميًا، حيث تتنافس أقوى المنتخبات، ويتحول التشجيع من المحلية إلى الدولية.

‏منذ بداية البث التلفزيوني الواسع للمنافسات في مونديال ١٩٦٦ بإنجلترا، كان عشاق اللعبة يشاهدون المباريات عبر الشاشات، فرديا او جماعيًا في المقاهي والنوادي وأماكن المشاهدة العامة. كان هذا يجعل المشاهدة تجربة تشاركية تزيد من متعتها، إذ كان البث مجانيًا في معظمه، أو تتيحه الدول لمواطنيها عبر قنواتها الأرضية.

‏لكن في مونديال ٢٠٠٢ بدأ التحول الجاد نحو تقييد البث، وإن لم يصل إلى التشفير الكامل الذي نعرفه اليوم. هذا الحال حرم ملايين المشجعين من متعة المشاهدة الفردية أو الجماعية إلا مقابل مقابل مادي. انتشرت سلاسل بائعي «الدش» وكروت فك التشفير عبر الكابل أو الواي فاي، وزادت التكلفة، مما أخرج أعدادًا كبيرة من الجمهور من دائرة المشاهدين.

‏وفي نسخة كأس العالم الحالية ٢٠٢٦ بلغت قيمة حقوق البث حوالي ٤.٢ مليار دولار (الأعلى تاريخيًا)، مما ضيّق مساحات المشاهدة الحرة بشكل كبير. اكتفى كثير من الناس بمشاهدات محدودة عبر فيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي.

‏حسابات الربح التي تديرها الرأسمالية استكثرت على بسطاء وفقراء الكوكب _ عشاق الكرة _ أن يشاهدوا لمدة شهر حدثًا يأتي مرة كل أربع سنوات. واستقر الأمر على قاعدة: «اللي يدفع راح يتفرج، واللي معندوش يغمض عينيه ويسد أذنيه».

‏آله  الرأسمالية المتوحشة تطحن حتى أساسيات الحياة مثل الغذاء و التعليم والصحة، وليس الترفيه فقط. ولو أمكنها — لولا لطف الله — لقالت: «اللي يدفع يتنفس، واللي ما يدفعش يفطس».

زر الذهاب إلى الأعلى