راندا الهادي تكتب: المسمار الأخير

عندما تتراكم الهموم ، وتتعدى المسئوليات قدرتك على التحمل ، يأتي حدث قد يكون بسيطًا في ظاهره ، خال من أي تبعات ليدق المسمار الأخير في نعش صبرك ، هكذا نحن البشر نتحمل ونصبر ونتجاوز حتى حين ، فإذا كانت الضغوط عاطفية كان الحين هو نفاد رصيد من نحب في قلوبنا ، أما إذا كانت الضغوط مرتبطة ببيئة العمل،فالصبر تطيله المسئوليات تجاه الأسرة ورفقاء العمل وعمرك الذي أنفقته لبناء هذا المكان ، لكن عندما تتجاوز الضغوط الاحتمال يشتري الإنسان راحته النفسية و يُعلي من شأن مصلحته دون اعتبار لمكان لم يقدره.
وكما قالت سيدة الغناء العربي : ( إنما للصبر حدود ) ، نقول أن كل إنسان له حساباته الخاصة في تحديد رصيده من الصبر والتي تتوقف في الغالب على الطرف الآخر للمعادلة ، وطبيعة الشخصية التي يمتلكها .
أما في العلوم السياسية والتاريخ استخدم المتخصصون مصطلح المسمار الأخير للإشارة إلى الحدث أو القرار الذي لم يكن بالضرورة هو السبب الوحيد لانهيار نظام أو مؤسسة، ولكنه كان “القشة التي قصمت ظهر البعير”؛ أي الحدث الذي أنهى أي أمل في الإصلاح أو الاستمرار وأدى إلى الانهيار النهائي.
إليك مجموعة من أبرز الأمثلة التاريخية التي يُنظر إليها كـ “مسمار أخير” في نعش أنظمة وحقب تاريخية: على سبيل المثال قبل الحرب العالمية الأولى على الرغم من أن أوروبا كانت تعيش حالة من التوتر والتحالفات المتناقضة، إلا أن الحرب لم تكن حتمية بالضرورة قبل يونيو 1914.
لكن المسمار الأخير كان اغتيال الأرشيدوق “فرانز فرديناند” في سراييفو. لم يكن الاغتيال سبباً وحيداً للحرب، بل كان المسمار الذي أشعل “برميل البارود” الذي كان يُبنى منذ عقود من سباق التسلح والتحالفات، محولاً التوترات الباردة إلى حرب عالمية مدمرة.
كذلك عندما كان الاتحاد السوفيتي يعاني من تصدعات اقتصادية وسياسية تحت حكم جورباتشوف.جاء
سقوط جدار برلين عام 1989 كمسمار أخير في نعش الهيمنة السوفيتية على أوروبا الشرقية، وأثبت عجز النظام الشيوعي عن منع شعوبه من التعبير عن رغبتها في التحرر، مما سرّع بانهيار الاتحاد السوفيتي لاحقاً.
لذا لا تستهين بتأثير أحداث بسيطة في حياة البشر ، لأنها قد تكون المسمار الأخير في نعش الصبر الطويل عندهم ، لتأتي بعدها النهاية في زيي مفاجأة غير متوقعة .









