إيمان سعيد تكتب: طلقوا بعض… لكن أولادهم ما اتطلقوش

أصعب حاجة في انفصال الأب والأم إنهم أحيانًا يفتكروا إن الحكاية انتهت بمجرد إن كل واحد خرج من البيت وبدأ حياته من جديد، بينما الحقيقة إن الحكاية بالنسبة للأولاد لسه ما بدأتش تنتهي. الطفل لا يفهم معنى إن بابا وماما لم يعودا زوجين، هو فقط يفهم إن البيت الذي كان يجمع أمانه اتقسم، وإن الشخصين اللي كان شايفهم عالمه كله أصبح لكل واحد منهم بيت وحياة ومواعيد، وهو المطلوب منه يتأقلم وكأن شيئًا لم يحدث. يعيش الطفل بعد الطلاق صراعًا لا يتكلم عنه كثيرًا؛ يفرح عندما يرى أباه، ثم يشعر بالذنب لأنه اشتاق إليه وهو عند أمه، ويشتاق لأمه عندما يكون عند أبيه، ويظل طوال الوقت خائفًا أن يكون حبه لأحدهما خيانة للآخر. والأسوأ أنه قد يكبر وهو مقتنع أن عليه أن يصلح ما لم يستطع الكبار إصلاحه، فيراقب كلامهما، وينتظر أي علامة صلح، ويفرح من مجرد مكالمة لطيفة بينهما، وربما يظل لسنوات يحمل أملًا ساذجًا في داخله بأن يأتي يوم يعود فيه أبوه وأمه إلى بعضهما، حتى لو أصبح هو شابًا وتزوج وأنجب. لأن الطفل لا يكبر بسهولة من وجع الانفصال؛ أحيانًا يكبر بجسده فقط، أما الجزء المكسور بداخله فيظل في نفس العمر الذي حدث فيه الانفصال. ولهذا لا تستغربوا من شخص بالغ ما زال يتألم من انفصال والديه، ولا من رجل أو امرأة يخافون من الزواج لأنهم عاشوا أمام أعينهم كيف يمكن لبيت أن يتحول إلى ذكريات، ولا من ابن يرفض أن يسمع كلمة سيئة عن أبيه، أو بنت تدافع عن أمها رغم كل شيء، لأنهم في النهاية لا يدافعون عن أخطاء أحد، هم فقط يحاولون حماية الجزء الوحيد الآمن من طفولتهم. يا كل أب وأم قررا الانفصال، إذا كان لا بد أن تنتهيا كزوجين، فلا تنتهيا كأبوين؛ لا تجعلوا أبناءكم رسلًا بينكم، ولا شهودًا على خلافاتكم، ولا سلاحًا في معارككم، ولا تجعلوا أحدًا منهم يشعر أنه مضطر لاختيار طرف على حساب الآخر. لا تملأوا رؤوسهم بحكايات الخيانة والظلم والانتقام، لأنكم عندما تفرغون غضبكم في آذانهم لا تنتصرون على الطرف الآخر، أنتم فقط تزرعون جرحًا جديدًا في طفل لا ذنب له. اقتربوا منهم أكثر، اسمعوا الأسئلة التي يخجلون من طرحها، احتضنوا خوفهم، وأخبروهم بوضوح أن الانفصال لم يكن بسببهم وأنهم لم يكونوا يومًا سببًا في فشل العلاقة. وإن لم تستطيعوا أن تعيدوا البيت كما كان، فحاولوا أن تعيدوا الطمأنينة إلى قلوبهم، لأن بعض الأبناء لا يحتاجون عودة الأب والأم بقدر ما يحتاجون أن يتأكدوا أن الاثنين ما زالا موجودين من أجلهم. تذكروا دائمًا أنكم عندما تطلقون بعضكم، أنتم لا تطلقون أبناءكم من حقهم في أب وأم يحبانهم، ولا تطلقونهم من حاجتهم إلى الأمان. قد تنتهي علاقتكم كزوجين في ورقة، لكن آثارها قد تظل سنوات طويلة داخل أولادكم. فلا تجعلوا الطلاق نهاية زواجكم فقط… اجعلوه بداية مسؤوليتكم الحقيقية تجاه أولادكم..










