مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب: بين «قانون الغاب» وضبط الشارع.. الشرطة المصرية ورؤية الخروج من الأزمة


​يشهد الشارع المصري في الآونة الأخيرة انحرافاً سلوكياً حاداً واختلالاً واضحاً في موازين التعاملات اليومية، حيث تراجعت قيم الاحترام والتقدير لصالح “قانون الغاب”، وأصبحت القوة والنفوذ الاجتماعي هما الحاكم الفعلي في كثير من المنازعات. إلا أن القراءة المنصفة للواقع تؤكد أن هذا الانفلات السلوكي ليس سوى عرض لمرض أعمق وأشمل؛ مرض أصله عقود طويلة من غياب الرؤية الاستراتيجية لبناء الإنسان، والتراجع الحاد في المنظومة التعليمية والتربوية التي عجزت عن غرس قيم الانضباط وسيادة القانون لدى الأجيال الجديدة.

​وفي ظل هذا الفراغ الثقافي والتربوي وغياب دور مؤسسات التنشئة، وجدت الشرطة المصرية نفسها تتحمل العبء الأكبر، وتدفع منفردة ثمن تراكمات الفوضى والعشوائية. وهنا لا بد من الإشادة البالغة بالدور البطولي والعظيم الذي يلعبه رجال الأمن الوطني ورجال المباحث البواسل؛ هؤلاء الأبطال الذين يعملون بصمت واحترافية عالية، ويواصلون الليل بالنهار بعيون ساهرة تتصدى لكل صور البلطجة والبؤر الإجرامية، ليمثلوا السد المنيع والركيزة الأساسية التي تمنح المواطن الشعور بالأمان والاستقرار وسط هذا الارتجاج الاجتماعي.

​ولكي لا نكتفي بتشخيص الأزمة، تتطلب الرؤية العلاجية الشاملة للخروج من هذا المأزق العمل عبر اتجاهات متوازية؛ أولها إجراء إصلاح إجرائي وأمني عاجل من خلال تعديل لوائح الاحتجاز داخل مراكز الشرطة للفصل التام والمطلق بين الشاكي والمشتكى بحقه، ضماناً لحق المظلوم ومنعاً للضغط عليه للتنازل أو اللجوء للجلسات العرفية التي فقدت عدالتها وصارت متاجر بالحقوق، مع رقمنة المحاضر للقضاء على البيروقراطية التي تُنفر المواطن من قانون الدولة، وتوفير كل الدعم المادي واللوجستي لكوادر المباحث والأمن الوطني وتكثيف الدوريات الاستباقية لفرض هيبة الدولة ميدانياً.

​كما يستوجب العلاج إحداث ثورة تعليمية وتربوية حقيقية تجعل السلوك والأخلاق والمواطنة مواد أساسية للنجاح والرسوب، مع استعادة هيبة المدرسة كبيئة تربوية ضابطة تكسر دائرة العشوائية قبل وصولها إلى الشارع، بالإضافة إلى ترسيخ سيادة القانون وإلغاء أي سلطة موازية تؤسس لمجتمع الغاب. إن صلاح الشارع يبدأ من الفصل الدراسي والمؤسسات التنشئية، وحتى يتحقق ذلك الإصلاح الشامل، سيبقى رجال الشرطة المصرية والأمن الوطني والمباحث هم العين الساهرة والملاذ الآمن الذي يحمي الوطن والمواطن، ويحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره.

زر الذهاب إلى الأعلى