عرب وعالم

لم تشهد مثله منذ 47 عاماً.. المفاوضات مع أمريكا تثير أزمات وانقسامات داخل إيران

كتب: أشرف الهاشمي

لم تعد المفاوضات بين إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية مجرد ملف دبلوماسي عابر أو قضية إجرائية تتعلق بالسياسة الخارجية للنظام الإيراني، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى مرآة حقيقية تعكس عمق الأزمة البنيوية والجذرية التي تضرب قلب السلطة في طهران.

ويرى مراقبون إيرانيون أن القضية اليوم لا ترتبط فقط بشكليات العلاقة مع واشنطن، بل تمس بشكل مباشر مستقبل النظام نفسه، وتترجم الصراع المحتدم والشرس داخل النواة الصلبة التي حكمت إيران طوال العقود الماضية تحت شعارات العقيدة السياسية المتمثلة في العداء لأمريكا و إسرائيل

وفق ما يؤكد الخبراء والمحللون الإيرانيون فإنه وعلى مدار سبعة وأربعين عاماً من حكم النظام في ايران ، وظف النظام الشعارات الأيديولوجية لبناء شرعيته وتعبئة أنصاره وتبرير سائر سياساته الداخلية والخارجية غير أن لحظة الحقيقة والمواجهة مع الذات حلت عندما وجد النظام نفسه مضطراً للجلوس، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى طاولة التفاوض مع امريكا وهو الطرف الذي تأسست الهوية السياسية للنظام على معاداته، وهنا تحديداً بدأت التناقضات المكتومة تنفجر من الداخل وبشكل علني.

واللافت في المشهد الراهن أن الانقسام الحالي لم يعد يدور بين معسكري من يُعرفون بالإصلاحيين والمحافظين، وهي الثنائية التقليدية التي كانت معروفة سابقا ، بل أضحى الصراع يتركز ويدور داخل التيار الأصولي نفسه، وتحديداً داخل الدائرة الأضيق والأقرب إلى مركز صناعة القرار والسلطة.
ويكشف هذا التحول النوعي أن الأزمة الراهنة تجاوزت الخلافات التكتيكية المعتادة، لتتحول إلى صراع استراتيجي محتدم حول التوجه والمسار النهائي للنظام في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية والخطورة.

وتأتي التصريحات المتناقضة الصادرة خلال الأسابيع الأخيرة لتعكس التصدع الكبير في النظام فبينما يبرز محسن إيجئي رئيس السلطة القضائية مدافعاً عن خيار المفاوضات، واصفاً معارضي هذا التوجه بأنهم “جنود للعدو”، يشن جناح جبهة “بايداري” -وهي مجموعة إيرانية متشددة صغيرة الحجم، لكنها ذات نفوذ واسع،.
هجوماً عنيفاً ضد أي انفتاح على واشنطن، معتبراً إياه تنازلاً خطيراً قد يقود البلاد إلى مربع “استسلام جديد”.

وفي الوقت ذاته، يتبادل أقطاب النظام الاتهامات الحادة حول المسؤولية عن تقديم التنازلات، بالتزامن مع تصاعد حرب إعلامية وسياسية حامية الوطيس بين معسكر قاليباف رئيس البرلمان وجناح سعيد جليلي ‏أمين المجلس الأعلى للأمن القومي السابق “مجلس عضو ، في مشهد يبرهن على فقدان الانسجام والهارموني داخل المؤسسة الحاكمة.

وحسب المحللين فإن أخطر ما في هذه الانقسامات الراهنة أنها تتزامن مع لحظة حرجة فقد فيها النظام العنصر الأساسي الذي كان يشكل مركز توازنه وضابط إيقاعه لعقود طويلة فعلي خامنئي، كان يمثل المحور المركزي للسلطة الذي تُضبط حوله التوازنات والتناقضات الداخلية.

أما اليوم، فإن خليفته مجتبى خامنئي، ، يواجه واقعاً سياسياً وتنظيمياً أكثر هشاشة وتعقيداً، خاصة في ظل الغياب التام لشخصية سياسية تمتلك الوزن والتأثير التنظيمي الذي كان يمثله رفسنجاني في المراحل الانتقالية السابقة.
ويقول المحللون إن النظام الحالي،و ما بعد خامنئي يدخل هذه المرحلة محاطاً بأزمات كبرى ما تزال كلها مفتوحة على كل الاحتمالات سواء من شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى ملف البرنامج النووي، مرواً بوضع أذرعه الإقليمية في المنطقة، والانهيار الاقتصادي الحاد، وصولاً إلى الأزمة الأهم على الإطلاق وهي معضلة الخلافة وسدة الحكم نفسها.

وهذا الواقع هو ما يجعل من المفاوضات الحالية مسألة أخطر بكثير من مجرد نقاش سياسي عابر أو مناورة دبلوماسية.

زر الذهاب إلى الأعلى